موعظة الجبل (11)
بقلم : فخرى كرم
«طوبى
للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات» (مت5: 10)
إن أبناء ملكوت الله لا يعيشون في عالم خاص بهم
لكنهم يعيشون في وسط هذا العالم الشرير، ورئيس هذا العالم هو إبليس نفسه، والصفات
والأخلاق السائدة في هذا العالم مختلفة بل مضادة تماماً لصفات وأخلاق ملكوت الله،
وهذا يضع مسئولية مضاعفة على أبناء الملكوت، فالمطلوب منهم ليس فقط أن يعيشوا البر
بل أن يعيشوه في وسط عالم يبغض هذا البر ويقاومه طوال الوقت!! مطلوب أن يعيشوا
أخلاق ملكوت الله في قلب عالم لا يفهم هذه الأخلاق ويسلك بأخلاق إبليس نفسه!! ولو
استطاع أبناء الملكوت أن يواجهوا هذا التحدي ويتمموا هذه المسئولية الصعبة يكونون
مستحقين لتطويب جديد وأجر عظيم في السماوات!!
إذا كان أبناء الملكوت الإلهي يمتازون بالروح المسكينة
المتضعة التي تشعر كل الوقت بالاحتياج الشديد لله فأبناء ملكوت إبليس يتميزون
بالاعتداد والتفاخر بالذات، هذا الاعتداد عينه الذي أخرج إبليس قديماً من ملكوت
الله، وهذا الاعتداد يجعلهم يتعاملون بجفاء وتعالي مع كل مَن يختلف عنهم، بل يصل
الأمر إلى العنف والقسوة تجاه من يخالفهم المبدأ والرأي.
إذا كان أبناء الله يتعاطفون مع الآخرين وتمتلئ
قلوبهم بالحزن لأجلهم فأبناء هذا الدهر لا يمكنهم أن يحزنوا لأجل الآخرين لأن
قلوبهم ممتلئة بأنفسهم وذواتهم تحتل كل اهتمامهم، وإذا كانت صفة الوداعة تميز
أبناء الله حتى أنهم يحبون ويقبلون حتى الأعداء فطبيعة أبناء إبليس هي على النقيض
تماماً من الوداعة، إنهم يعيِّرون من يختلف عنهم ويطردونه من وسطهم بل يقولون عليه
بالكذب كل كلمة شريرة لكي يبرروا أنفسهم ويخدعوا ضمائرهم.
إذا كان أبناء الملكوت يجوعون للبر ويسعون طول
الوقت لفعله فأبناء هذا العالم يطردونهم وينبذونهم لأجل هذا البر عينه!! وإذا كانت
الرحمة تميِّز طبيعة أبناء الملكوت فأبناء هذا العالم يميزهم القسوة والعنف تجاه
الآخرين، أبناء الملكوت يهتمون أن يرفعوا الأحمال عن كاهل الناس أما منهج أبناء
إبليس فهو أن يحزموا أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس (مت23: 4)
وإذا كان الرب يطالب أتباعه بأن يكونوا أنقياء
القلب يهتمون بطهارة أعماقهم أكثر من اهتمامهم بجمال مظهرهم، فملكوت هذا العالم هو
ملكوت الزيف والخداع الذي يهتم بالمظهر البرَّاق ويهمل العمق المظلم، نحن نعيش في
عالم مزيف يهتم بنقاء خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة
(مت23: 25)
وإذا كان أبناء الله هم صنَّاع السلام في هذا
العالم فأبناء إبليس هم صنّاع الخصام والانشقاق بين الإخوة (أم6: 19) فبينما يسعى
أبناء الملكوت للتجميع وحفظ وحدانية الروح برباط السلام يسعى ابليس وأتباعه كل
الوقت لبذر بذور الانقسام والعداوة في كل مكان.
ربنا يؤكد لنا في ختام التطويبات أن كل الأنبياء الذين
أرسلهم الله إلى العالم على مدار التاريخ تعرضوا للرفض والإهانة من معاصريهم، مما
يؤكد أن الصراع بين هاتين المملكتين هو قديم قدم التاريخ نفسه، فلم يكن هناك
وقت تصالح فيه العالم مع ملكوت الله!! كما يؤكد ربنا أيضاً أن أجرنا سيكون عظيماً في
السماء إذا استطعنا أن نعيش مبادئ ملكوت الله رغم مقاومة وتهديد إبليس وأتباعه، مقتدين
بسيدنا الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا نكل ونخور في أنفسنا (عب12:
3) وللحديث بقية (يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق