الجمعة، 1 نوفمبر 2019

أحاديث من القلب


موعظة الجبل (34)
بقلم : فخرى كرم

«أعطنا اليوم» (مت6: 11)
بهذه الكلمات القليلة يُثبِّت الرب مبدأ هاماً في حياة أبناء الملكوت، وهذا المبدأ هو وجوب أن نعيش حياتنا ونحن نقسِّمها إلى وحدات اسمها «اليوم»!! فقوانا الذهنية والعصبية مُصممة لكي تحمل في اليوم الواحد مسئولية يوم واحد!! في كل صباح نشحذ قوانا لكي نحمل مسئولية «اليوم» الذي نعيشه، ومع المساء تكون قوانا قد استنفذت ونحتاج أن نخلد إلى السكينة والنوم لكي نعطي لأذهاننا وأعصابنا الفرصة للراحة وتجديد الطاقة، ومع اشراقة اليوم التالي ننهض بطاقات متجددة لمواجهة الوحدة الجديدة في مشوار حياتنا المُسماة «اليوم»!! ولقد كرر الرب في موعظة الجبل هذا المبدأ بشكل واضح عندما قال «لا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره» (مت6: 34)
ولو رجعنا للكتاب المقدس لوجدناه قد أرسى هذا المبدأ منذ البدء، عندما قسَّم الله عمله في الخليقة إلى وحدات تُسمى «اليوم»، فكل مرحلة من الخلق كانت تنحصر بين «مساء» و«صباح» يوم جديد، وبعد ستة أيام من العمل استراح الله في «اليوم» السابع، وعندما أعطى الله الناموس لشعبه القديم طالبهم أن يتبعوا نفس النظام الذي اتبعه هو في الخليقة، أن تنقسم حياتهم إلى وحدات هي «اليوم» وهذا اليوم ينقسم إلى «صباح» للسعي والاجتهاد و«مساء» للراحة وتجديد الطاقة، وبعد ستة أيام على هذا المنوال هناك «يوم» سابع ينبغي أن يستريحوا فيه من كل أعمال الجسد ويتفرغوا لتجديد طاقتهم الروحية ولطلب وجه الرب لمواجهة الأسبوع الجديد!!
وعندما أعطى الرب المن للشعب طوال رحلتهم في البرية كان يطالبهم أن يخرجوا باكراً في كل صباح ليلتقطوا لأنفسهم الطعام الذي يكفيهم ليوم واحد، كان يريدهم أن يتعلموا كيف يعيشون حياتهم متكلين على صلاح الله كل يوم، واثقين أنه سيمنحهم الخير الذي يكفيهم يوماً فيوماً، لكن الإنسان في زيغانه يريد أن يؤسس سلامه على ما في يديه وليس على ما في يدي الله!! ولذلك رأينا البعض من الشعب كان يجمع أكثر من احتياجه اليومي لكي يشعر بأمان تجاه الغد، ولكنه في الغد كان يجد أن الفساد قد انتشر في الطعام المخزون!!
 ولا يمكننا أن ننسى ذلك الغني الذي أثمرت كورته فجمع الثمر في مخازن أكثر وأوسع، وظن أنه سيجد شبعه وفرحه فيما اختزن بين يديه وليس في الله الصالح الذي جعل كورته تثمر بهذه الوفرة، واعتقد أنه جمع طعاماً يكفيه لسنين عديدة ولم يعلم أن هذا «المساء» في حياته لن يعقبه أبداً أي «صباح»!!
خلاصة القول أن ربنا يريدنا أن نتعلم كيف نكون بلا هم من جهة المستقبل، وأن نعتمد في سلامنا على صلاحه واحسانه اليومي وليس على ما نمتلكه في مخازننا، ان مراحم الرب جديدة في كل «صباح» ولابد أن نخرج لنلتقطها في كل «صباح» (مرا3: 23) عندما نقول للرب في صلاتنا «أعطنا اليوم» نحن نعلن ايماننا واتكالنا الكامل واليومي على صلاحه الذي لن يتركنا أو يهملنا أبداً، ونحن نعلن أننا سنعيش حياتنا كل يوم فيوم بسلام وطمأنينة لأننا نعلم أن كفايتنا هي بما في يدي الرب لنا وليس بما نختزنه نحن في أيدينا!! وللحديث بقية (يتبع)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق