سبعة أرواح الله ( 23 )
بقلم : فخرى كرم
تكلمنا عن روح الوداعة التي تعطي لكل ذي حق حقه، وقلنا إن لها ثلاثة
اتجاهات: اتجاه الله واتجاه الآخرين واتجاه النفس، ورأيناها تتحرك في اتجاه الله
فتعطيه حقه كاملا في الطاعة والخضوع، وتتحرك في اتجاه الإنسان فتعطيه حقه كاملا في
الاختيار والتعبير، ولم يبق لنا إلا أن نتكلم بإيجاز عن الاتجاه الثالث ألا وهو
اتجاه النفس، فروح الوداعة عندما تمتلك نفس ما تعطيها حقها كاملا غير منقوص، فإذا اجتهدت
النفس فمن حقها أن تكافأ وإذا زرعت فمن حقها أن تفرح بالحصاد وإذا انتصرت فمن حقها
أن تفتخر بالانتصار، الإنسان الوديع يدرك حقوق نفسه ويمارسها دون أن يشعر بأية
غضاضة في ذلك، ويخطىء من يظن أن الوداعة تعطى لله حقه على حساب حق النفس، أو أنها
تمنح الآخرين حقوقهم وتبخس النفس حقها ، كلا، فالله الوديع هو أيضا عادل ولا يكيل بمكيالين،
ولذلك قال الرب له المجد «أعطوا تعطوا ، کيلا جيداً ملبداً مهزوزاً فائضا يعطون في أحضانكم، لأنه
بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم» (لو 6 : 38 ) أي أن النفس التي تعلمت أن تعطى
للآخرين حقوقهم لابد أن يمنحها الله حقوقها وبذات المكيال.
ولقد رأينا روح الوداعة في حياة الرب تمنح للنفس حقها كما منحت لله وللآخرين
حقوقهم، فمن أشهر التعبيرات التي تصادفنا في أحاديث الرب تعبير:
أنا هو !!
تكلم الرب كثيراً عن نفسه وأعطاها حقها كاملا أمام الناس، ورغم أن كلام
الإنسان عن نفسه عادة ما يثير الاستنكار في نفوس السامعين إلا أننا نندهش عندما
نجد كلام الرب عن نفسه لا يثير بداخلنا هذا الإحساس بل على العكس نجد فيه شبعاً
وارتواء، ما هو السبب؟ السبب هو أن الرب ينطق بالحق عن نفسه، فهو لا يمدح نفسه بما
ليس فيه ولا يدعي قدرة ليست له ولا وضعاً لا يستحقه، كما أن الدافع وراء كلامه عن
نفسه هو خير السامعين وليس مجد ذاته لأنه مجداً من الناس لم يقبل ، روح الوداعة التي كان الرب
يتكلم بها عن نفسه هي التي منحتنا القبول والإيمان بهذه الكلمات.
الوداعة في مقياس الإنسان هي أن يتكلم عن نفسه بالسوء ويسعى للتقليل
من شأنها والتحقير من قدراتها ، لكن العجيب أنك قد تستمع لشخص يقلل جدا من شأن
نفسه ورغم ذلك تشعر بالنفور من كلماته، لماذا ؟ لأن خلف الكلمات التي تقلل من شأن
الذات تكمن روح تهدف من وراء هذه الكلمات عينها لتمجيد الذات وإضفاء صفة التواضع
عليها !! هذه الوداعة مزيفة، والله لا يريدنا أن نتكلم بالسوء عن أنفسنا ولا أن
نتكلم عنها بزهو بل أن نتكلم عنها - إذا لزم الأمر - ما هو حق في نظر الله.
أنا أفضل !!
اضطرت الظروف الرسول بولس في بعض الأحيان أن يتكلم عن نفسه ( 1كو 15 : 10 ، 2كو 11 ، 12 ) فنجده يعدد
لنا الكثير من مجهوداته واحتماله وتعبه في سبيل الخدمة، حتى نجده يعقد مقارنة بينه
وبين الآخرين فيقول «أنا أفضل» ( 2كو 11 : 23 ) ومع ذلك لا نشعر بأي انزعاج من كلامه لأنه يقول الحق عن نفسه ( 2كو 12 : 6 ) والدافع من وراء كلامه ليس أن يأخذ مجدا من الناس بل
أن يحمى الكنيسة التي تعب في تأسيسها من تشكيك المشككين في ارساليته ( 2كو 11 : 2 ، 3 ) الوداعة التي في بولس لم تمنعه من الكلام عن نفسه لكنها
حفظت كلامه في نطاق الحق.
التنازل عن الحق
إذا
كانت الوداعة تعطى للنفس حقها إلا أن النفس قد تختار إرادياً أن تتنازل عن هذا
الحق لإنجاز عمل ما أو تتميم مشيئة الله، مع بقاء الإدراك الكامل لهذه الحقوق
وقدرة النفس أن تستعيدها في أي وقت، مثلما كان لبولس سلطان أن لا يشتغل بيديه بل
يعيش من الإنجيل، وسلطان أن يجول بأخت زوجة مثل باقي الرسل، لكنه اختار أن لا
يمارس هذا السلطان لكي لا يجعل عائقا لإنجيل المسيح ( 1كو 9 : 12 ) . وفي الليلة
الأخيرة نرى الرب يقوم عن العشاء ويغسل أرجل تلاميذه آخذاً مركز الخادم رغم إدراكه
الداخلي لمركزه الحقيقي ( يو 13 : 3 ) وبعدما غسل أرجلهم قال لهم «أنتم
تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك» ( يو 13 : 13 ) . لقد قام
بعمل الخادم وهو مدرك تماما لمركزه كالسيد، وهذا هو الفرق بين «صغر النفس» و
«وداعة النفس »!! فمن يعاني من «صغر النفس» قد يضع نفسه في مركز منخفض بسبب إحساس
داخلي بأنه قليل الشأن، أما من يمتلك « وداعة النفس » فهو يضع نفسه في ذات المركز
المنخفض لكن مع احتفاظه بإدراكه الداخلي بمركزه الحقيقي الذي له من الله، ويكون
هذا التنازل إرادياً ومؤقتا ومحدوداً بأداء عمل ما أو تتميم مشيئة الله (يتبع).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق