سبعة أرواح الله (25)
بقلم : فخرى كرم
قلنا إن الله شاء في حكمته أن يتعامل مع الإنسان بروح الوداعة أولا
ثم بروح القداسة، والحق أن هذا هو أسلوب الله في التعامل مع الإنسان دائماً،
التعليم أولا ثم الامتحان، فرصة التوبة أولا ثم القصاص، الزرع أولا ثم الحصاد ،
وهذه هي حكمة الله وعدالته أيضأ، فعدالة الله لن تمتحن الإنسان بخصوص شيء لم
يتعلمه مرة ومرات، ولن تقتص من خطية إلا بعد أن تمنحه نورا كاشفاً على هذه الخطية
ووقتاً كافياً للتوبة عنها، وعدالة الله لن تطلب أن تحصد ما لم تزرعه النعمة في
قلب الإنسان، الله لا يطالب الإنسان بشيء من عندياته لأنه يعلم أن الإنسان لا
يمتلك شيئا إلا خطاياه، إن ما تزرعه روح الوداعة هو ما تحصده روح القداسة، وما
تعلمه لنا روح الوداعة هو ما تصعد به روح القداسة بخوراً طيباً أمام الله.
مثل الحنطة والزوان
وضح لنا الرب في مثل الحنطة والزوان (مت 13 : 24 ـ 30 ) أن ملكوت
السموات يمر دائماً بمرحلتين هما الزرع والحصاد ، ولكل مرحلة سماتها الخاصة:
مرحلة
الزرع تتميز بالاختلاط، فنجد الإنسان الصالح الذي زرع زرعا جيدا في حقله كما نجد
الإنسان العدو الذي زرع الزوان في وسط الحنطة، ونرى الحنطة التي نمت وأخرجت ثمرأ
جيداً كما نرى الزوان الذي نما أيضا وأخذ شكل الحنطة ولكن بلا ثمر. أما مرحلة
الحصاد فتتميز بالحسم والفصل، فالاختلاط لا يمكن أن يستمر بلا نهاية بل لابد أن
يصير الفرق واضحاً بين الزرع الجيد الذي زرعه صاحب الحقل والزرع الرديء الذي زرعه
الإنسان العدو، بين الحنطة النافعة والزوان الباطل.
مرحلة
الزرع تتميز أيضا بالوداعة والصبر ، الوداعة التي أعطت الفرصة للإنسان العدو أن
يزرع زرعه وسط الحنطة، الوداعة التي أعطت للحنطة الفرصة الكافية للنمو كما أعطت
للزوان ذات الفرصة!! الوداعة التي تصبر على نبات مصيره إلى الحريق!! أما مرحلة
الحصاد فتتميز بالقضاء والحكم، فلابد للحنطة أن تجمع إلى المخازن أما الزوان فيحرق
بنار، وهذا ما قلناه عن عمل النار التي تمتحن طبيعة الأشياء فتحرق الرخيص وتزگی الثمين.
يوحنا المعمدان
تنبأ يوحنا المعمدان عن عمل الروح في حياة الرب في هاتين المرحلتين،
تنبأ عن مرحلة الزرع عندما قال «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يو 1 : 29 ) فحبة الحنطة لابد أن تسقط في الأرض وتموت قبل أن
تأتي بثمر كثير، وهذه المرحلة لابد أن تتميز بالوداعة والصبر (الحمل) وتنبأ أيضا
عن مرحلة الحصاد عندما قال عن الرب «الذي رفشه في يده و سينقي بيدره ويجمع قمحه
إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ » (مت 3 : 12 ) هذه هي مرحلة الحصاد
التي تتميز بالفصل والحكم.
ولكن يبدو أن طبيعة إرسالية يوحنا النارية جعلته يميل أكثر إلى مرحلة
الحصاد في إرسالية الرب ويتطلع بشغف لحدوثها ويتخطى ببصره مرحلة الزرع الطويلة
والمضنية، ولذلك كاد يعثر في الرب عندما طال انتظاره لعمل النار وأرسل يسأل ما إذا
كان الرب هو الآتي أم ينتظر آخر!! رغم أنه هو نفسه تنبأ عن مرحلة «الحمل» وشاهد بعينيه
«الحمامة» لكنه كان يتعجل «النار» !!
ولقد أجابه الرب بأنه ما زال يعمل في مرحلة الزرع، فها هم العمى
يبصرون والعرج يمشون والصم يسمعون، فلابد أن يفتح الرب عيون الناس قبل أن يحاكمهم
على ظلمتهم، ولابد أن يشفى العرج قبل أن يحاسبهم على عدم سعيهم نحوه، ولابد أن
يفتح آذان الصم قبل أن يعاقبهم على عدم استماعهم لصوته!! الزرع أولا ثم الحصاد !!
صحيح أن مرحلة الزرع كانت شاقة وطويلة ومن الصعب احتمالها وصحيح أن الرب اجتازها
بألم وهوان ودم ودموع، إلا أنها ضرورية لكي يكون الرب عادلاً في أحكامه .
عندما يأتي الحصاد !!
وعندما انتهى وقت الزرع ونضجت الحنطة التي انبثقت من موت حبة الحنطة
الإلهية، وعندما حضر يوم الخمسين الذي كان عيدا للحصاد (تث 16 : 9 ، 10 ) !! حضر
الروح المبارك في هيئة جسمية مثل ألسنة من نار إيذانا ببدء الحصاد والحكم، ورأيناه
من خلال الكنيسة - جسد المسيح - يقلب المسكونة (عمل الرفش) ( أع 17 : 6) ورأينا
الحنطة تتجمع معاً (أع 4 : ۳۲) والزوان أيضا يجتمع معاً (أع 4 :۲۷) ورأينا في الحنطة ثماراً صالحة: سلاماً ونعمة
وشفاء، ورأينا كيف أن الزوان لا ثمر له سوى البغضة والحسد والمكايد ، ولم تمض سوى
سنوات حتى أحاط تيطس الروماني بأورشليم وأحدق بها وهدمها وبنيها فيها، ثم أشعل
فيها النار لتلتهم كومة التبن التي لم تتجاوب مع عمل النعمة وروح الوداعة، ولم
تعرف زمان افتقادها !! (يتبع).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق