سبعة أرواح الله (32)
بقلم : فخرى كرم
تكلمنا عن روح النار وعمله المزدوج
في إظهار الصلاح وتزكيته وفضح الإثم وإدانته، وقبل أن نختتم الحديث عن هذه الصورة
الرمزية من صور روح الله القدوس لابد أن نشير إلى أن :
ابتداء القضاء من بيت الله قلنا إن
الروح فضح الإثم المستتر في الأمة اليهودية وقادها إلى الدينونة، والآن نريد أن
نؤكد أن الروح النارى لا يفرق بين الخطية التي في الأمة اليهودية والخطية التي في
داخل الكنيسة، بل إن ابتداء القضاء يكون دائما من داخل البيت (۱بط
4 : 17 ) والرب الذي علمنا أن ننقى الداخل أولا قبل الخارج لابد أنه يتبع نفس
المنهج في تعامله مع كنيسته!! إن انضمامنا لشعب الله لا يجعلنا في مأمن من روح
القضاء بل بالحرى يجعلنا في مقدمة القضاء!!
حنانيا وسفيرة
عندما انسكب الروح المبارك في يوم
الخمسين أظهر الصلاح الذي سبق وزرعه رب المجد في نفوس أتباعه، فرأينا مبدأ «مغبوط
هو العطاء أكثر من الأخذ» يظهر بوضوح في وسط الكنيسة حتى إن كل من كانت له أرض أو
ممتلكات كان يبيعها ويأتي بأثمانها عند أقدام الرسل، وكان برنابا مثالا لامعا لروح
العطاء هذه، ولكن في وسط هذا الجو المقدس بدأ الجسد يتحرك ورأينا أرض الإنسان تنبت
زوانا رديئا يشبه من الخارج الحنطة لكن جوهره ليس العطاء بل الأخذ!! ويحمل في
داخله سمأ زعافا إذا ترك يسري وسط الجماعة، سم الرياء والكذب والرغبة في لفت
الانتباه وجذب المديح للذات!! بهذه الروح الرديئة باع حنانيا وسفيرة حقلا وأتيا
بجزء من ثمنه عند أقدام الرسل.
كان عملهما يبدو من الخارج مشابهة
لعمل برنابا والآخرين، لكن روح النار الساكن وسط الجماعة يمتحن جوهر الأعمال ويحكم
عليها، ولذلك وجدناه يمارس عمله في فضح هذا الإثم وإدانته، وكان القضاء فورياً
وحاسماً لمنع سريان هذا السم في وسط الجماعة، فسقط حنانيا وسفيره عند أقدام الرسل
وحملا ميتين ، وهكذا كان الروح المبارك يمارس القضاء في داخل البيت قبل أن يقضي
على الأمة العاصية في الخارج.
.. وكثيرون ضعفاء ومرضى ويرقدون !!
ونقرأ في رسالة بولس إلى أهل
كورنثوس أن الروح يدين أعمال المؤمنين الخاطئة بضربات تتناسب في شدتها مع حجم
الخطأ، تتدرج من الضعف إلى المرض إلى الموت بل وحتى إلى التسليم للشيطان!! لأننا
إذا لم نتعلم كيف نحكم على أنفسنا وندين أخطاءها ونحفظها في حالة القداسة اللائقة
بإلهنا القدوس فلابد أن يحكم علينا ونؤدب من الرب لكي لا تدان مع العالم.
خوف الله
إن روح القضاء هذه أنشأت
مخافة لله في نفوس المؤمنين (أع 5 : 11 ) ، الخوف المقدس الناتج عن الإحساس الدائم
بوجودنا في محضر «الديان»، الخوف من الخطأ أو الوقوع تحت القضاء، الخوف الذي يحفظ
القلب طاهراً والذهن نقياً والسلوك مستقيم، الخوف الذي ينبغي أن يلازمنا في زمان
غربتنا (۱بط 1 : 17 ) ويدفعنا لتتميم خلاصنا (في 2 : 12 ) .
هذا الخوف لم نعد نلاحظه في أيامنا هذه ، تسرب من قلوبنا هذا الخوف المقدس وتسللت
إلينا الاستهانة واللامبالاة، الاستخفاف بالمقدسات صار شائعاً وسط جماعات المؤمنين
بشكل يدعو للفزع، وعندما نتلفت حولنا وننظر لأوضاع المؤمنين والكنائس وصدم
بالخطايا المستترة والمعلنة تنتشر في كل مكان، وتفاجأ بالذات المتضخمة وهي تجاهر
بوجودها وتسلطها في داخل الكنيسة، وعندما نبحث عن قضاء إلهي يعيد الأمور إلى
نصابها ولا نجد، عندئذ لابد أن تخرج منا صرخة:
أين أنت يا روح النار ؟!
لماذا تسكت ولا تتكلم ؟ لماذا تترك
الزوان ينمو في وسط الحنطة حتى أصبحنا نعيش في جو من الكذب والخداع والزيف، لم يعد
هناك حد فاصل بين الحق والباطل، بين الثمين والرخيص، بين الذهب والتراب!!
لماذا تتركنا لأنفسنا ؟ لماذا تترك الذات
تسود وتتحكم في وسط الكنيسة المدعو عليها اسم يسوع ؟ هل هذا هو قضاؤك علينا ؟ إن
أقسى قضاء يمكن أن نقاسيه هو أن تفارقنا وتتركنا لأنفسنا !! إن نار حضورك يا روح
الله أفضل بما لا يقاس من نار غيابك!! والخوف المقدس الذي تصنعه في القلب أعظم بما
لا يقاس من الخوف المظلم الذي أصبحنا نعيش فيه من بعد غيابك!! ليتك تعود تنسكب
علينا يا روح النار والقضاء، إننا في أشد الحاجة إليك!! (يتبع).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق