سبعة أرواح الله (34)
بقلم : فخرى كرم
روح الله هو معطى الحياة الذي به نحيا ونتحرك ونوجد، والكتاب يستخدم صورة «المياه» لكي ينقل لنا أن الروح هو مصدر الحياة ليس للإنسان فقط بل لكل الخليقة أيضا.
في البدء
عندما كانت الأرض خربة وخالية يغطيها الغمر وتغطى الغمر ظلمة، رأينا روح الحياة يرف على هذا الخراب ويبعث فيه الحياة، إنه الروح الذي يحمل مشيئة الله بالحياة إلى هذه الأرض الحرية، ومع رفرفة الروح توالت أوامر الإقامة والإحياء تصل إلى كل ركن من أركان الخليقة، انقشعت الظلمة وبدأ النور يشرق، انحسر الغمر وبدأت الأرض تثمر، وامتلأت الأرض الخربة بكائنات جميلة من كل نوع، وتزينت السماء المظلمة بأنوار من كل صنف، أنوار لليل وأنوار للنهار، ولا غرابة فحيثما يحل روح الحياة يتحول القفر إلى جنة والظلام إلى نور والخراب إلى عمار والموت إلى حياة.
.. وبالخطية الموت !!
لكن هذه الصورة الجميلة لم تستمر طويلا، فعندما دخلت الخطية إلى العالم فصلت الإنسان عن الله مصدر الحياة، وفتحت الباب لدخول أرواح الخراب والموت إلى العالم، أرواح مضادة في عملها لروح الله معطي الحياة، أرواح تنزع الحياة من روح الإنسان وتسبب موتها ، أرواح تنزع الرطوبة من نفس الإنسان وتنشر الجفاف في أوصاله، تستهلك طاقته وتكدر صفوه، تظلم سماءه وتيبس أرضه، تجعله يعيش في قلق وانزعاج كل يوم حتى تنزل به إلى هاوية الموت الأبدي، أرواح كل مهمتها أن تسرق وتذبح وتهلك، أرواح تعمل تحت رئاسة من هو قتال للناس من البدء.
هذه الأرواح تتعدد أسماؤها لكن عملها واحد وهو سلب الحياة من كيان الإنسان، مثل روح الخوف الذي يكتنف الإنسان فيسلبه أمانه ويقيد خطوته، وروح الحزن الذي يدمر المشاعر ويحطم القلب، وأرواح الغضب والغيرة والحسد والطمع التي تخرب علاقة الإنسان مع الآخرين وتزرع بينهم الصراعات والحروب والخصومات، وأرواح الهوى والشهوة والنجاسة التي تفسد كرامة الإنسان وتحط به إلى مستوى الحيوانات غير العاقلة، وغيرها كثير من الأرواح التي لا نستطيع حصرها وكلها تقاوم عمل روح الحياة وتحاول الرجوع بالخليقة إلى وضع الخراب الأول.
محاولات فردية
في كل العصور القديمة كان هناك أفراد يستشعرون هذا الموت المحيط بهم من كل جانب ويشعرون بالعطش الشديد إلى روح المياه معطي الحياة، وكان لهم الإدراك الروحي الكافي والقدرة على السعي لشق هذه الظلمة المحيطة رجوعاً إلى الله، وكان الروح المبارك يتجاوب مع هذه المحاولات بلمسات وإعلانات متفرقة على مدار التاريخ البشري، وكانت هذه الإعلانات بمثابة قطرات ماء منعشة في وسط صحراء قاحلة، عاشت على هذه القطرات أجيال كثيرة واستعانت بها على مقاومة أرواح الموت المحيطة بها في كل مكان، لكن هذه المحاولات ظلت محاولات فردية ونادرة على مدار التاريخ الإنساني الغارق في ظلمته الروحية، وظلت هذه الإعلانات مرتبطة بوجود أفراد أمناء يطلبون الله لأنفسهم ولشعوبهم، وبموت هؤلاء الأمناء كان الإعلان ينطفىء وتعود الظلمة تكتنف كل شيء، لأن طريق الأقداس لم يكن قد فتح بعد، وروح المياه لا يمكن أن ينسكب بشكل عام ومعلن على هذه الأرض العاصية إلا بعد إتمام الفداء.
أنا عطشان !!
وفي ملء الزمان أتى الفادى المبارك الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة، وعندئذ أحاطته جحافل الجحيم، وبدأت الرطوبة تتسرب من كيانه الروحي ويزحف الجفاف إلى قلبه الجريح، حتى إنه قال بروح النبوة «يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي» وأيضأ «يبس حلقي، كلت عيناي من انتظار إلهي» (مز 22 : 15 ، 69 : 3 ). هذه اليبوسة هي التعبير المجازي المعبر عن آلام المسيح الشديدة في لحظات الصليب، كان ينبغي أن يعبر نفس أرضنا ويحمل نفس ذنبنا ويلقي نفس قصاصنا ، حتى إن الإحساس الوحيد الذي جاهر به الرب على الصليب لم يكن إحساسه بالألم أو الحزن أو الظلم بل العطش!! لقد عطش لكي نرتوي نحن، يبست قوته لكي تتفجر ينابيع القوة في كياننا نحن، لقد اجتاز مواضع جفافنا وموتنا لكي يرفعنا إلى موضع حياته ومجده ، له كل المجد والسجود إلى الأبد.
أخي، هل لك نصيب في هذا الارتواء الإلهي ؟ يتبع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق