السبت، 6 ديسمبر 2025

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس ( 8 )

بقلم فخري كرم

يؤثر الروح القدس على النفس بمؤثراته الروحية السامية، وتعيش النفس تحت هذه المؤثرات فترة زمنية مباركة تحلق فيها في أجواء السماويات حيث تستشعر كل بركات الله في متناول اليد، وحيث تسمو فوق كل منظور حتى تصير التضحية بأي شيء أمرا ميسوراً. ولكن ـــــــ فجأة أو تدريجيا ـــــــ   تبدأ هذه المؤثرات تخبو وتتسرب من بين أيدينا، وتعود النفس إلى حدودها الطبيعية مره أخرى كما لو أنها حطت على أرض الواقع بعد طول تحليق، وتبدأ تستشعر كل الضغوط والمقاومات الخارجية والداخلية مرة أخرى، وترى أمور الله بعيدة صعبة المنال، والسير في طريقه مكلفاً مضنياً.

وهذا قد يجعلها تشك في أن هذه المؤثرات كانت مجرد أوهام نفسية، وإذا استسلمت للشك استسلمت للضعف والسقوط، فقدت كل شيء جميل وخيَّم عليها ضباب الضعف، وظلمة الشك، وليل الشكاية، والتذمر.

والحقيقة هي أن الروح يسحب تأثيراته لعدة أسباب إن فهمناها استطعنا أن نجتاز تلك المرحلة الموحشة بنجاح، وجعلنا وادي البكاء ينبوعا!!  إن الروح يسحب تأثيراته أولا لكي :

يعطى الفرصة للإرادة الحرة

الله لا يريد إلا الذبيحة المقدمة بكامل الإرادة . والإرادة الكاملة هي الإرادة التي تتخذ قرارها في أرض الواقع وهي شاعرة بكل المؤثرات المختلفة ومدركة للمغريات والموانع، للمكاسب والخسائر، إنها الإرادة التي تتخذ قرارها بعد حساب النفقة، إنها الإرادة التي ترى جيداً كل الطرق المتاحة ومع ذلك تختار السير في طريق الله، إنها إرادة حرة تتخذ قرارها بدون الاندفاع بمؤثر ما، حتى لو كان مؤثرا روحيا!!

عندما تكون النفس تحت سلطان الروح ترى أمور الله بصورة ممجدة تدفعها لاتخاذ قرارات سريعة، لكن هذه القرارات لا يُعتد بها لأنها ليست ناشئة عن إرادة حرة، بل عن مؤثر روحي طاغ. ولذلك يسحب الروح تأثيراته ـ بعدما يكشف للنفس عن أمجاد الله ـ ويترك النفس ترى الطرق الأخرى ومغرياتها، وتشعر بالتضحيات الموجودة في الطريق الكرب، ويترك عندئذ الفرصة للإرادة لكي تختار طريقها. أنه إله عادل لا يريد أن يؤثر على حريتنا في اتخاذ قرارنا.

إن الله لايعتد بالتوبة الناشئة عن سطوة التبكيت الإلهي، لكنه يعتد بالتوبة الناشئة عن إرادة أدركت شناعة خطيتها وقررت ترفض الخطية وتعترف بها وتتركها. لقد قلنا سابقا إن التبكيت الإلهي ضروري لكي تدرك النفس شناعة الخطية وقداسة الله، ولكن السؤال الآن هو: ماذا بعد زوال التبكيت؟ هل ستستمر النفس منكسرة أمام الله طالبة الغفران والتطهير؟ حينئذ يكون التبكيت قد أثمر " نفسا تائبة " ولكن في معظم الأحيان، عندما يزول التبكيت، تنهض النفس وتعاود سيرها في الطرق القديمة، وهذا يثبت أن التوبة الناشئة عن التبكيت الإلهي لم تكن إلا توبة إرادية مؤقتة، وهذه توبة لا يعتد بها وكأنها لم تكن!! ولا نقول إن التبكيت قد فشل في مهمته، حاشا، بل نحن الفاشلون في اقتناص فرص الله والتجاوب معها!!  

وما نقوله عن التبكيت نقوله عن كل المؤثرات الأخرى للروح ، كم من نفوس اتخذت قرارها بالتكريس لله في مناخ روحي قوى ، ثم تراجعت عن هذا القرار حين أصبحت في مناخ آخر . وكم من خدمات ناجحة قدمت تحت تأثير الروح لم يكن لها هدف سوى مجد الله وخير النفوس ، وعندما زالت المؤثرات وجدنا الخادم يهتم باسمه ومجده وخيره الشخصي . انظر إلى بلعام بن بعور وهو ساقط أمام الله على مشارف خيام شعب إسرائيل ، كم من نبوات عظيمة خرجت من شفتيه وكم من رؤى رآها وهو مفتوح العينين !! لكن هل تريد أن تعرف بلعام على حقيقته ؟! انظر إليه بعدما فارقه الله، ستجده يعلم بالاق أن يلقى معثرة أمام بنى إسرائيل لكي يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا!! ( عدد 22 ـ 42 ، رؤ 2: 14 ) .

هل رأيت شاو ل بن قيس وهو يتنبأ في الوسط بعدما حل عليه الروح، حتى صار مثلاً: أشاول أيضا بين الأنبياء ؟!لا تنخدع بهذه الصورة إن شاول الحقيقي سيظهر بعد زوال مؤثرات نعمة الله، وعندئذ سيقول الله لصموئيل «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي» (1 صم 10: 11، 15: 11).

وماذا نقول عن يهوذا الاسخريوطى الذي عاش ثلاث سنوات كاملة تحت أعظم المؤثرات الروحية قاطبة، تحت ظل الرب يسوع نفسه وهو يجول يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس؟ لا تنظر إليه وهو يشارك في أعمال الخير والشفا باسم الرب، إن اتجاه الإرادة الحقيقي سيظهر بعد زوال هذه المؤثرات، ونراه قادراً على بيع سيده بثلاثين من الفضة!! ومرة أخرى نقول نعمة الله لم تفشل لكننا نحن الفاشلون في التجاوب معها .

وهكذا يسحب الله تأثيراته الروحية لكي يعطى لإرادة الإنسان الفرصة لتتخذ قرارها بحرية، وطوبى للنفس التي تختار الله دائماً، ولا ترضى عنه بديلاً (يتبع).

 

 

 

 

 

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (7)

بقلم فخري كرم

    تكلمنا إجمالاً عن مؤثرات الروح، وقلنا إن الروح القدس يخيم على النفس بمؤثرات روحية مثل التبكيت، المحبة، القداسة، الاستنارة، والفهم الروحي، ....  الخ، وتعيش النفس تحت تأثير هذه المؤثرات لفترة زمنية طالت أو قصرت. بحسب نوعية المؤثر والهدف منه ومدى تجاوب النفس معه. ودعونا الآن نستعرض أهداف الله من وراء هذه المؤثرات:

1ـ إعلان عن حقيقة الله

كيف يمكن للنفس البشرية أن ترسم بداخلها صورة صحيحة عن الله رغم كونه غير منظور؟ الجواب: من خلال مؤثرات الروح. عندما يؤثر الروح على النفس بنيران التبكيت تتكون بداخل النفس صورة محسوسة عن قداسة الله
، النار الآكلة. صورة لا يستطيع أن يرسمها كل الوعاظ مجتمعين، قد تستمع لأشهر الوعاظ وهم يلقون عظاتهم الملتهبة عن قداسة الله، وقد تقرأ عن هذا الموضوع كتباً مؤثرة، ومع ذلك تبقى جاهلاً بحقيقة الله، عاجزاٍ عن الانكسار أمامها، وستبقى قداسة الله فكرة عقلية ميتة لا تمنحك مخافة حقيقية ولا تثمر قداسة فعلية، حتى يأتي الروح المبارك بتبكيته الناري ويرسم في أعماق قلبك صورة الله القدوس.

      ونفس القول نقوله عن كل صفات الله، الناس تسمع دائما عن محبة الله، لكنها تبقى غير مؤثرة في الحياة، لا ترفع فوق الهموم ولا تسند وقت الأزمات، بل قد يستغل إبليس الظروف المضادة ويرسم بداخل النفس صورا مغلوطة عن الله، ويصوره إلهاً مبتعداً قاسياً. حتى يأتي الروح القدس ويخيم على هذه النفس بمؤثرات المحبة الإلهية، ويلمس القلب بلمسات الرفق والعناية، عندئذ تجد صورة الله قد أصبحت حية فعالة بداخلك تؤثر في كل ظروفك وتمسح كل دموعك.

     لقد استغل إبليس الضعف الموجود في كنائسنا ورسم بداخل النفوس صورة مغلوطة لإلهنا، صورة لإله مبتعد لا يبالي بالناس، إله يتساهل مع الخطية أو لا يراها بالمرة!! دعونا نطلب من شخص الروح القدس أن ينقش بداخلنا ـ بمؤثراته المباركة ـ صورة إلهنا الحقيقي وينزع من داخلنا كل تخيل مزيف عن الله.

2ـ إعلان عن حقيقة الإنسان

       الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه!! إن الإنسان يجهل مدى الشر المتغلغل بداخله، يجهل كمية الغباء والعناد والضلال والخداع المختبئة بداخل قلبه. شاعراً بالمجد في خزيه!! حتى يأتي الروح المبارك ويخيم على هذه النفس بنوره الذي ينير خفايا القلب، عندئذ تسقط النفس لأول مرة ـ تحت الإحساس بشناعة الخطية وفساد الطبيعة البشرية، وعندئذ تستطيع لأول مرة أيضا ـأن تصرخ طالبة الرحمة والغفران والتطهير.    

3- إعلان عن حقيقة المسيح

سيبقى شخص المسيح وحياته وصليبه وقيامته أحداثا خالية من التأثير حتى يأتي الروح ويجسد شخص المسيح أمام عيوننا، ويبدأ في إظهار المجد الموجود في ثنايا هذه الحياة الفريدة، ويأخذ مما لهذا الشخص القدوس ويعطينا، ويسلط نوره علي مجد لاهوته المستتر تحت اتضاع ناسوته، ويشرح للنفس كمّ المحبة المتدفقة من قلبه، وكمّ الخير الموجود في يديه، وكمّ الغفران والتطهير الممنوح في دمه، وكمّ الرفعة والانتصار الموهوب لنا بقيامته، عندئذ فقط تستطيع النفس أن تحب شخص المسيح وتجثو أمامه قائلة " ربى وإلهي "!!  

4ـ معونة إلهيــة

قد تدرك النفس كل هذه الحقائق لكنها تبقى عاجزة عن التجاوب معها، قد تشعر النفس ببشاعة الخطية ومدى تعمقها في داخل القلب لكنها تبقى عاجزة عن الانكسار والتوبة، ربما بسبب شدة ضعفها أو لتسلط العدو عليها، عندئذ يأتي الروح القدس ليمد المعونة لهذه النفس العاجزة ويقودها للانكسار والتوبة.

وبالمثل قد تعرف النفس محبة الله وتشتهى أن ترضية لكنها لا تعرف السبيل لذلك بسبب محدودية الذهن الإنساني الذي كثيراً ما يقف حائراً أمام محبة الله لا يعرف كيفية التجاوب معها. وفى هذه الحالة أيضا يأتي الروح ويخيم على الذهن ويعطيه استنارة عن كيفية مرضاة الله والسلوك فيها.

وهكذا نرى أننا لا نستطيع الاستغناء عن تأثيرات الروح القدس سواء لمعرفة الله أو لمعرفة ذواتنا أو لمعرفة شخص المسيح والسير في خطاه. ولكن هذه المؤثرات ليست دائمة، وكما أن وجودها له أهداف عظمى هكذا زوالها له أهدافه العظمى أيضا!! (يتبع)

 

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (6)

بقلم فخري كرم

 دعونا الآن نضع جانباً موضوع حزن الروح الذي تحدثنا عنه ونسأل:

  ماذا لو كان الروح حراً نشيطاً في حياتنا؟ الجواب: عندئذ سنعيش معه في:

ثلاث دوائر روحية متداخلة، سنتحدث عنها الآن إجمالاً ثم نشرحها تفصيلاً فيما بعد:

دائرة مؤثرات الروح

عندما يكون الروح عاملاً في داخل النفس فانه يؤثر عليها بمؤثراته المباركة التي تصور مشيئة الله تجاه هذه النفس وإذ بها قد أصبحت ممتلئة اتضاعا وانكساراً، واستعداداً للتوبة، وانتصاراً. فهو بقوته الإلهية وحكمته يبدأ في صياغة النفس لتكون في الصورة التي يريد الله أن يراها عليها دائماً. فتنتصر النفس على الخطية.. الخ، ولكن إلى أن تتجاوب النفس مع هذه المؤثرات فإنها ستبقى مجرد مؤثرات وليست صفات!!

من الضروري أن نعلم أنها مؤثرات الروح وليست إمكانيات النفس. فعندما ترى النفس وقد أصبحت منكسرة فجأة فلا تظنها صفة ثابتة في هذه النفس، كلا، إنه مجرد مؤثر روحي بسلطان الروح القدس على هذه النفس. هل هناك فرق؟ طبعا، فإن حَزن الروح في هذه النفس وسحب تأثيره هذا، فستجد أن الانكسار اختفي تدريجيا وتعود النفس إلى سابق عهدها بالعجرفة والعناد!!

نفس أخرى تخضع لروح الله فتمتلئ بمحبة فائضة تملأ كل الكيان، محبة لله وللآخرين، للأخوة والأصدقاء والأعداء وحتى للحيوانات والطيور!! لكن عندما يسحب الروح تأثير المحبة هذا ستجد أن المحبة تضمحل، وتعود النفس الأنانية للظهور من جديد، لأنها لم تكن محبة أصيلة، بل خارجية مكتسبة.

نفس تعيش في نور الروح القدس، تجدها ممتلئة بالقداسة وبُغضة الخطية، ولكن عندما يزول هذا المؤثر ـ لأسباب كثيرة سنتحدث عنها لاحقاً ـ تبدأ النفس تضعف وتهتز أمام هجوم الخطية. بل إن الأدهى هو أنك تكتشف خطايا وميولا شريرة تنبع من أعماق النفس ذاتها، مما يؤكد أن قداستها لم تكن صفة ثابتة، بل مؤثراً مؤقتاً.

لكن هل هذا وضع طبيعي سيستمر طول الحياة؟ كلا بكل تأكيد، أن دائرة مؤثرات الروح ينبغي أن تقودنا للحياة في دائرة روحية أخري أكثر عمقاً وتأثيراً وهي ما نسميها:

دائرة ثمار الروح

عندما يؤثر الروح القدس علي النفس بمؤثر معين، ينبغي أن تتجاوب النفس مع هذا المؤثر وتخضع له، وتبدأ في اتخاذ قرارات إرادية ثابتة وخطوات عملية حقيقية تجاه هذا المؤثر، لكي يتحول إلى وضع شخصي عملي، ويثمر صفة ثابتة في النفس، وهذا ما نسميه " ثمار الروح ". 

لنأخذ العبادة مثلاً. عندما يؤثر الروح القدس علي نفس ما بمحبة الله والرغبة في التواجد بمحضره، تمتلئ عندئذ هذه النفس بروح التسبيح والعبادة وتحب التواجد في خلوة أمام الله، ويكون هذا التواجد سهلاً لأن الروح يجذبنا جذباً تجاه المخدع. لكن المحك الحقيقي يبدأ عندما يختفي هذا المؤثر القوى:

إن كانت النفس قد قررت أن تكون العبادة جزءاً لا يتجزأ من برنامج يومها فإنها تظل محتفظة بوقت العبادة حتى ولو لم يصبح الأمر بنفس السهولة، وستظل تجاهد لكي تحفظ لله حقه في الوقت، وتظل تقدم سجوداً وخضوعاً مهما كانت الظروف جافة وشاقة. عندئذ يرضي الله عن هذه النفس التي تجاوبت مع مؤثرات الروح تجاوباً ليس مؤقتاً سطحياً، بل دائماً عميقاً، ويؤيد الروح هذه النفس ويباركها، وهكذا تكتسب النفس ثمراً دائماً يدوم حتى في زمن اختفاء المؤثرات الروحية، ويمكنك عندئذ أن تسميها " نفساً ساجدة "!!

لكن إذا بدأت النفس تتهاون في الشركة مع الله لأن المؤثر قد زال، وتبدأ تستسلم بسهولة للعوامل التي تدفعها إلى خارج المخدع، فإن هذا يبيِّن أن النفس لم تتجاوب مع مؤثرات الروح تجاوباً حقيقياً إنما تجاوباً مؤقتاً سطحياً، وقد فشلت في الإثمار للروح.

إن الغرض من مؤثرات الروح هو أن تتجاوب النفس معها بالطاعة والإرادة فتثمر ثمار الروح، أي أن مؤثرات الروح هي أعمال الروح في داخل النفس، أما ثمار الروح فهو تجاوب النفس مع هذه المؤثرات.

دائرة مواهب الروح

إن أفكار الله ومقاصده تكون دائماً فوق مستوى الإدراك البشرى، السطحي بطبعه. وعندما يريد الروح أن ينقل للنفس فكرة إلهية أو يفضح خطأ روحياً دفيناً، ويجد صعوبة في نقل هذا للذهن البشرى المحدود، فإنه يلجأ (أحياناً) لوسائل فوق طبيعة تصل إلي روح الإنسان مباشرة متخطية الذهن المحدود والنفس الضعيفة. والشخص الخاضع للروح القدس يكون مستعداً دائماً للتعلم من الروح بكل وسائط النعمة الطبيعية والمتاحة، وأحياناً بوسائط النعمة فوق الطبيعية أيضاً!! وهذه ما نسميها " مواهب الروح " ولهذا حديث خاص.