السبت، 6 ديسمبر 2025

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس (7)

بقلم فخري كرم

    تكلمنا إجمالاً عن مؤثرات الروح، وقلنا إن الروح القدس يخيم على النفس بمؤثرات روحية مثل التبكيت، المحبة، القداسة، الاستنارة، والفهم الروحي، ....  الخ، وتعيش النفس تحت تأثير هذه المؤثرات لفترة زمنية طالت أو قصرت. بحسب نوعية المؤثر والهدف منه ومدى تجاوب النفس معه. ودعونا الآن نستعرض أهداف الله من وراء هذه المؤثرات:

1ـ إعلان عن حقيقة الله

كيف يمكن للنفس البشرية أن ترسم بداخلها صورة صحيحة عن الله رغم كونه غير منظور؟ الجواب: من خلال مؤثرات الروح. عندما يؤثر الروح على النفس بنيران التبكيت تتكون بداخل النفس صورة محسوسة عن قداسة الله
، النار الآكلة. صورة لا يستطيع أن يرسمها كل الوعاظ مجتمعين، قد تستمع لأشهر الوعاظ وهم يلقون عظاتهم الملتهبة عن قداسة الله، وقد تقرأ عن هذا الموضوع كتباً مؤثرة، ومع ذلك تبقى جاهلاً بحقيقة الله، عاجزاٍ عن الانكسار أمامها، وستبقى قداسة الله فكرة عقلية ميتة لا تمنحك مخافة حقيقية ولا تثمر قداسة فعلية، حتى يأتي الروح المبارك بتبكيته الناري ويرسم في أعماق قلبك صورة الله القدوس.

      ونفس القول نقوله عن كل صفات الله، الناس تسمع دائما عن محبة الله، لكنها تبقى غير مؤثرة في الحياة، لا ترفع فوق الهموم ولا تسند وقت الأزمات، بل قد يستغل إبليس الظروف المضادة ويرسم بداخل النفس صورا مغلوطة عن الله، ويصوره إلهاً مبتعداً قاسياً. حتى يأتي الروح القدس ويخيم على هذه النفس بمؤثرات المحبة الإلهية، ويلمس القلب بلمسات الرفق والعناية، عندئذ تجد صورة الله قد أصبحت حية فعالة بداخلك تؤثر في كل ظروفك وتمسح كل دموعك.

     لقد استغل إبليس الضعف الموجود في كنائسنا ورسم بداخل النفوس صورة مغلوطة لإلهنا، صورة لإله مبتعد لا يبالي بالناس، إله يتساهل مع الخطية أو لا يراها بالمرة!! دعونا نطلب من شخص الروح القدس أن ينقش بداخلنا ـ بمؤثراته المباركة ـ صورة إلهنا الحقيقي وينزع من داخلنا كل تخيل مزيف عن الله.

2ـ إعلان عن حقيقة الإنسان

       الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه!! إن الإنسان يجهل مدى الشر المتغلغل بداخله، يجهل كمية الغباء والعناد والضلال والخداع المختبئة بداخل قلبه. شاعراً بالمجد في خزيه!! حتى يأتي الروح المبارك ويخيم على هذه النفس بنوره الذي ينير خفايا القلب، عندئذ تسقط النفس لأول مرة ـ تحت الإحساس بشناعة الخطية وفساد الطبيعة البشرية، وعندئذ تستطيع لأول مرة أيضا ـأن تصرخ طالبة الرحمة والغفران والتطهير.    

3- إعلان عن حقيقة المسيح

سيبقى شخص المسيح وحياته وصليبه وقيامته أحداثا خالية من التأثير حتى يأتي الروح ويجسد شخص المسيح أمام عيوننا، ويبدأ في إظهار المجد الموجود في ثنايا هذه الحياة الفريدة، ويأخذ مما لهذا الشخص القدوس ويعطينا، ويسلط نوره علي مجد لاهوته المستتر تحت اتضاع ناسوته، ويشرح للنفس كمّ المحبة المتدفقة من قلبه، وكمّ الخير الموجود في يديه، وكمّ الغفران والتطهير الممنوح في دمه، وكمّ الرفعة والانتصار الموهوب لنا بقيامته، عندئذ فقط تستطيع النفس أن تحب شخص المسيح وتجثو أمامه قائلة " ربى وإلهي "!!  

4ـ معونة إلهيــة

قد تدرك النفس كل هذه الحقائق لكنها تبقى عاجزة عن التجاوب معها، قد تشعر النفس ببشاعة الخطية ومدى تعمقها في داخل القلب لكنها تبقى عاجزة عن الانكسار والتوبة، ربما بسبب شدة ضعفها أو لتسلط العدو عليها، عندئذ يأتي الروح القدس ليمد المعونة لهذه النفس العاجزة ويقودها للانكسار والتوبة.

وبالمثل قد تعرف النفس محبة الله وتشتهى أن ترضية لكنها لا تعرف السبيل لذلك بسبب محدودية الذهن الإنساني الذي كثيراً ما يقف حائراً أمام محبة الله لا يعرف كيفية التجاوب معها. وفى هذه الحالة أيضا يأتي الروح ويخيم على الذهن ويعطيه استنارة عن كيفية مرضاة الله والسلوك فيها.

وهكذا نرى أننا لا نستطيع الاستغناء عن تأثيرات الروح القدس سواء لمعرفة الله أو لمعرفة ذواتنا أو لمعرفة شخص المسيح والسير في خطاه. ولكن هذه المؤثرات ليست دائمة، وكما أن وجودها له أهداف عظمى هكذا زوالها له أهدافه العظمى أيضا!! (يتبع)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق