سبعة أرواح الله (40)
بقلم : فخرى كرم
تكلمنا عن روح «الريح»
المبارك الذي يقودنا أحيانا في طريق غامض لا نعرف على وجه اليقين دوافعه أو
أهدافه، وقد لا نكتشف حقيقة مقاصده الصالحة إلا بعد نهاية الطريق، هذا إذا سرنا في
الطريق بأمانة حتى نهايته رغم الغموض الذي يكتنفه!! ولقد رأينا مثلا لذلك في حياة
إبراهيم، واليوم نلقي نظرات سريعة على كل من:
يوسف والأمانة الغالبة
كل الأحداث التي مر بها يوسف بعد بلوغه
السابعة عشرة تبدو غامضة ولا يمكن تفسيرها بسهولة في ضوء محبة الله ورعايته
لأبنائه، بعد أن كانت حياته تسير بنعومة على سطح حياة هادئة مستقرة ينعم فيها
بالمحبة والرعاية والتميز، هبت فجأة ريح عنيفة قلبت كل الأوضاع رأساً على عقب وبيع
يوسف عبداً ، آذوا بالقيد رجليه وفي الحديد دخلت نفسه!! تحولت الراحة إلى تعب
والنعومة إلى خشونة، ولم تهدأ الريح إلا بعد أن ألقت به في غياهب السجن بتهمة
ظالمة ملفقة!!
كل عقل يتصدى لتبرير أو
تفسير هذه الأحداث لابد أن يصاب بالحيرة والإحباط، فالشر يبدو غالباً والخير يبدو
مهزوماً، إبليس يبدو سائداً والله يبدو غائباً، لكن هنا يظهر الإيمان ويتزکی وهنا
تلمع الأمانة وتغلب ! فالتمسك بالله حين تبدو الأمور مفهومة ومنطقية أمر طبيعي ليس
من الإيمان في شيء، أما التمسك بالله حين تبدو الأمور معاكسة وغامضة فهذا هو
الإيمان بعينه!! وكما حُسب الإيمان لإبراهيم براً هكذا حُسبت الأمانة ليوسف
انتصاراً.
وعندما حان وقت مجيء
كلمة الله أرسل الملك فحله وأطلقه وأقامه سيداً على بيته ومتسلطاً على كل ملكه(مز
105 : 18 ـ 20 ) هنا فقط بدت مقاصد الله الصالحة للعيان» واستحقت إعجاب الناظرين
وتقديرهم، لكن «الإيمان» كان يرى مقاصد الله صالحة حتى وهو بعد في ظلمة العبودية
والسجن!!
أخي، على ماذا تعتمد في
تقديرك وخضوعك لمعاملات الله معك؟ على «العيان» أم على «الإيمان» ؟!
أيوب و المنطق البشري
كانت حياة أيوب تسير
بشكل مثالي يليق بإنسان كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر، ولكن فجأة هبت رياح
على حياته بدت مضادة ومهلكة، ومحاولة تفسير هذه الرياح أدخلت أيوب في مجادلات
واسعة مع أصدقائه، وكلها كانت عقيمة لم تتمخض عن رأي مريح أو فكر يهدىء من روعه
ويبرد جراحه.
كان من الأفضل لأيوب أن
يحني رأسه أمام حكمة الله حتى ولو لم يفهم تماما القصد من ورائها، لكنه لم يستطع
أن يفعل هذا بشكل كامل، مما دفع الرب - بعد انتهاء الريح - لمعاتبته على محاولته
إخضاع معاملات الله للمنطق البشرى، فحكمة الله لا يمكن وضعها تحت المنطق البشرى،
ليس لأنها ضد المنطق البشرى بل لأنها فوق المنطق البشري!!
إيليا والتوقع المسبق
قلنا سابقا إن خطورة التوقع المسبق تكمن في أنه
يفقدنا مرونتنا في التجاوب مع مسار الأحداث الذي يرسمه الله، وهذا ما حدث مع
إيليا: فبعد أحداث جبل الكرمل توقع إيليا أن يرجع الشعب إلى الله في توبة جماعية
تطيح بعرش الوثنية في إسرائيل، لكنه فوجىء بأن هذا لم يحدث وأن إيزابل مازالت تجلس
على العرش تمارس بطشها و تهديداتها ، لذلك أصابه الإحباط وترك مكانه وذهب إلى
البرية، لذلك استحق أن يعاتبه الرب قائلا «مالك ههنا يا إيليا » ؟ وذلك بعد ما
أجاز أمامه قواته من نار وزلزلة وريح محاولا أن يشرح له أن سير الأحداث بهذا الشكل
الغامض ليس لنقص في قدرة الله على تغيير الأوضاع لكن لقصد آخر في قلب الله لا
يستطيع إيليا أن يفهمه في الوقت الحاضر.
إنه وقت للإيمان !!
أخي، هل تمر الآن بوقت
تبدو فيه الريح مضادة؟ هل تعجز عن فهم فكر الله وإرادته لحياتك ؟ هل يضغط عليك
العدو بشكاية ضد صلاح الله؟ هل تشعر بأنك ريشة في مهب الريح»؟ هل تعتقد أن الأحداث
الراهنة ستؤدي لتدميرك؟ هل فشل توقعاتك المسبقة أصابك بالإحباط؟ إنه إذن وقت
للإيمان!! إنه الوقت المناسب لكى تمارس الإيمان الحقيقي، ثق في صلاح الرب وكن
أمينا لله حتى وأنت متألم!! لا تدخل في محاولات عقيمة لوضع تعاملات الله تحت
المنطق البشري بل اسلك طريق إيمان الأطفال البسيط، وطوبى لمن آمنوا ولم يروا !!
وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق