السبت، 17 يونيو 2023

أحاديث من القلب

   

سبعة أرواح الله (41)

بقلم : فخرى كرم

رأينا عمل روح الريح في حياة بعض رجال الله في العهد القديم مثل إبراهيم ويوسف وإيليا وأيوب، واليوم نتتبع هذا العمل على صفحات العهد الجديد .

يوحنا المعمدان .. رجل لا تحركه الريح !!

قال رب المجد عن المعمدان إنه رجل ليس قصبة تحركها الريح، أي أنه لم يكن رجلا هشاً يسمح للظروف أن تقوده أو ينحني أمام التيار مهما كان عنيفاً، كان رجلا صلباً، نبياً بل وأعظم من نبي، لم يهتز  أمام شرور شعبه ولم ينحنى أمام جبروت هيرودس الماجن، كان يعلم أنه مرسل من الله ليعد الطريق أمام الرب ويعلن حمل الله للشعب اليهودي، كان يستشعر عظمة المسيح حتى حسب نفسه غير مستأهل لحمل حذائه، ولا شك أنه امتلأ بالثقة في أن عظمة المسيح لابد أن تستعلن بانتصار واضح على شرور الشعب وفجور الحاكم.

لم يتوقع يوحنا أن عظمة ابن الله ستستتر خلف وداعة ابن الإنسان، ابن الإنسان الذي لم يأت ليدين العالم بل ليخلص به العالم، لم يكن هذا الزمان زمان دينونة بل زمان نعمة، زمانا لكي يبصر العمى ويمشى العرج ويطهر البرص ويسمع الصم ويقوم الموتى ويبشر المساكين ، وهذا لا يعني أن الشرور ستمر بدون عقاب بل هناك يوم للدينونة عندما يقف الجميع صغارا وكباراً أمام العرش الأبيض العظيم لكي يدانوا بحسب ما هو مكتوب في الأسفار.

لذلك عندما سارت الأمور على نحو غير متوقع وألقي يوحنا في السجن بأمر من هيروديا الفاجرة، وبدا أن يسوع لا يفعل شيئا لتصحيح هذا الظلم، اهتزت نفس يوحنا واضطرب تفكيره وأرسل يسأل ما إذا كان يسوع هو الآتي أم ينتظروا آخر!!

لكن لابد أن نلاحظ هنا أن الرب لم يستاء من سؤال يوحنا بل أجاب عليه بكل رقة واحترام ثم التفت للجموع ومدح يوحنا بأعظم مديح، لماذا ؟ لأن الرب يعلم قسوة الريح المضادة على رجل لا تحركه الريح!! كلما كان المؤمن أمينا للرب ومحباً له كلما عانى أكثر إذا اضطر للخضوع لأحداث لا يعتقد أن فيها مجداً للرب أو تتميماً لمشيئته !! المؤمن الهش الذي اعتاد أن ينحني أمام أي ريح غريبة قد يجد من السهل أن يميل مع روح الرب عندما يقوده في طريق غامض ليس لأنه خاضع للرب بل لأنه سلبي اعتاد الانقياد لكل ريح، أما المؤمن الصلب الذي لم يعتاد الانحناء أمام الريح الغريبة فقد يجد معاناة في خضوعه لروح الريح عندما يقوده في اتجاه لا يفهمه ليس لأنه غير مؤمن بل لأنه لم يعتد الانحناء لما لا يفهم، ولا شك أنه سيخضع في النهاية عندما يتيقن من قيادة الرب له لكن بعد معاناة وحيرة، والرب يحترم هذه المعاناة لأنها دليل صلابة وأمانة ومحبة للرب، لهذا السبب لم يستاء الرب من حيرة المعمدان وسؤاله لأنه كان رجلا لا تحركه الريح... بسهولة!!

 

التلاميذ ... وعدم الفهم الاختيارى !!

في وقت الصليب وجدنا التلاميذ ينزعجون من الأحداث ويهربون كل في طريق، لم يفهموا ما حدث ولم يتوقعوه فلم يستطيعوا التعامل معه بشكل صحيح، لكن هل نستطيع أن نقول أن عدم فهمهم كان نتيجة لغموض إرادة الله؟ كلا، لأن الرب أعلن لهم كثيرا عن ضرورة تسليمه ليد الخطاة ليقتل وفي اليوم الثالث يقوم، أي أن إرادة الله كانت معلنة لهم من قبل، الحقيقة أن عدم الفهم كان نتيجة لعدم قبولهم لأقوال الرب، لم يريدوا أن يقبلوا فكرة الألم فلم يفهموا الكلام. إنه عدم فهم اختياري ناتج عن إرادة غير خاضعة!! إن الإنسان يفهم ما يريد أن يقبله ولا يفهم ما لا يريد أن يقبله!! وعدم فهمنا لمعاملات الله لا يرجع في أحيان كثيرة لغموض هذه المعاملات بل لعدم قبولنا لها !! لكن شكرا لله لأن وضع التلاميذ هذا لم يستمر طويلا.

التلاميذ .. والأمانة حتى الموت !!

لا شك أن حلول الروح القدس في يوم الخمسين جعل التلاميذ رجالا يتميزون بالإيمان والتسليم وسهولة الانقياد للروح، فكم ثارت ضدهم الأحداث بشكل غير متوقع ولكنهم ظلوا على إيمانهم، بل كلما كانت الريح أشد والغموض أكبر صعدت منهم رائحة أطيب وأجمل، فها بطرس ينام بعمق وسط الحراسة وأمام الموت، وها بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله في السجن الداخلي، بل ها يوحنا الحبيب يصلي في الروح في يوم الرب رغم أن الريح العاتية ألقت به وحيداً في جزيرة نائية جرداء، إنها الأمانة حتى الموت!! مجداً للرب، لقد استطاع يسوع بحياته وموته وقيامته والروح القدس بحضوره المبارك أن يصنعا شعباً يطيع الرب ويقبل مشيئته مهما كانت غامضة وغير متوقعة، ليتنا نكون في عداد هذا الشعب المبارك!! يتبع.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق