الجمعة، 3 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله (53)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الصورة الرمزية للخمر تشير إلى شخص الروح القدس بصفته روح التعزية والفرح . والحق أن هذا الجانب من شخص الروح في غاية الأهمية لحياتنا ، فمن منا لا يحتاج بين الحين والآخر إلى لمسات تعزية وتشجيع ، وسط ضغوط الحياة ومسئولياتها . هناك لحظات راحة يمنحها روح التعزية وبدونها لا نستطيع أن نكمل المسيرة ، فالإنسان لا يستطيع أن يظل تحت المسئولية كل الوقت، لابد من وقت يستريح فيه ويشعر أن آخر يحمل مسئوليته!! يشعر أن هناك إله يكتنفه ويهتم به ويحميه!! هذا هو إحساس التعزية الذي لا غنى لنا عنه ، إننا مراراً كثيرة نحتاج إلى موضع خلاء لنستريح قليلا !!

وهناك معان كثيرة لكلمة «المعزى» التي أطلقها الرب على شخص الروح القدس، من ضمن هذه المعاني أنه

يعطى دفئًا للمشاعر

الطفل الصغير لكي ينمو نموا سليماً جسدياً ونفسياً لا يحتاج فقط للنصائح والتعليمات الجافة لكنه يحتاج أيضا إلى حضن أب واع وأم حنون، حضن يمنحه لحظات من الدفء تسكن اضطرابه وتهديء روعه، حضن يخرج منه وهو أكثر قدرة على مواجهة مسئوليات الحياة، حضن يجدد قواه وينعش نفسه.

ونحن أيضا لكي ننمو روحياً لا نحتاج فقط إلى التعاليم والوصايا بل نحتاج أيضا لأحضان روح التعزية المبارك، إنه يعطى للنفس حضناً ودفئاً للمشاعر، وهذا الحضن يشبه.

حضن الأب

يقول الكتاب «كما يتراءف الأب على البنين يتراءف الرب على خائفيه» (مز103 : 13) هناك لحظات نحتاج فيها أن ينقل لنا الروح مشاعر «الترأف هذه، إننا لا نستطيع أن نرى الله الخالق والسيد والديان فقط، لابد أن نراه أيضا أب يتراءف علينا، إننا لا نستطيع أن نعيش تحت المسئولية كل الوقت لكن هناك لحظات فيها تضعف قوانا ورغما عنا تتعثر خطانا، وتخذلنا حكمتنا وتقصر قدرتنا عن مواصلة السعي، وعندئذ نحتاج أن يكتنفنا روح التعزية بمشاعر الأب الذي يتراءف علينا ويحبنا رغم كل ضعفنا ، الأب الذي لا يقبل أن يحملنا أكثر من طاقتنا ، الأب الذي يعرف جبلتنا ويذكر أننا تراب نحن، الأب الذي يغفر وينسى و يجدد فينا القوة والرغبة في مواصلة السعي، من منا لا يحتاج إلى هذه المشاعر بل من منا لم يحتاجها فعلا مرات عديدة ، لذلك كان اسم «الآب» هو الإعلان المميز الذي أتى به رب المجد عن شخص الله. والواقع أن حضن الأب يتميز بأنه حضن :

يعلم

« أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه » (مت 6 : 8) حضن الأب هو حضن واع، لا يمنح دفئاً كاذباً يغيب الذهن عن الوعي والواقع، بل هو حضن « يعلم» كل احتياجاتنا ويسر بأن يسددها بحسب غناه في المجد.

كم من أحضان ووسائل أخرى يلجأ إليها الإنسان لكي يهرب من احتياجاته لكنه يعود أكثر جوعاً وعوزاً، لأنها أحضان لا «تعلم» ما نحتاج إليه !!

يربي

يقول الكتاب «ربيت بنين ونشأتهم» ( إش1 : 2) حضن الأب لا يعطى دفئاً للمشاعر فقط بل بواسطة هذه المشاعر يغرس حقه في داخل نفوسنا ، إنه يعطى تعزية ممزوجة بالحق، الأب الصالح هو الذي يعرف أن يمزج تعليمه مع رأفته حتى تصل التعاليم بسلامة وهدوء أعماق نفس الابن وتنغرس هناك. إن أثقل التعاليم والمسئوليات إذا قيلت في حضن دافيء تصير خفيفة وسهلة!! ألم يقل يوحنا «وصاياه ليست ثقيلة» ؟ ولماذا قال هذا ؟ لأنه كان دائما يتكيء في حضن يسوع!!

الخمر قد تعطى دفئاً مؤقتاً للمشاعر لكنها في ذات الوقت تجرد الإنسان من كرامته وتنحدر بأخلاقه إلى الحضيض، أما تعزية الروح فهي مثل حضن الأب الذي يترأف و يربي في ذات الوقت.

يحمي

يحتاج الطفل أن يرتمي في حضن أبيه حين يستشعر الخطر المحيط به، ومن مثل الأب يمنح الحماية لأبنائه حتى أنه يقول «من يمسكم يمس حدقة عينه» (زك ۸:۲) كثيرا ما بسط روح التعزية جناحيه حولنا وحجب عنا الشر الآتي علينا، وكثيرا ما رتب لنا مائدة تجاه مضايقينا !! (يتبع).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق