الاثنين، 20 نوفمبر 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (54)

بقلم : فخري كرم

المؤمن يحتاج إلى تعزية الروح القدس التي تعطي دفئاً للمشاعر، والتي تشبه في بعض جوانبها مشاعر الأبوة الحميمة، المشاعر التي تربي وتحمي وتسدد الاحتياج، واليوم نضيف أن تعزية الروح تشبه في جوانب أخرى : .

حضن الأم

يقول الرب « هأنذا أدير عليها سلاماً  كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيدي تحملون وعلى الركبتين تدللون، كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا » (إش 66 : 12 ، 13) هنا يشبه الرب تعزيته لشعبه بتعزية الأم - وليس الأب - لطفلها، لماذا؟ لأن حضن الأم يمتاز بعدة مميزات:

الحنان

الحنان هو المحبة المجردة دون انتظار لأي مقابل أو رد فعل، فإذا قلنا إن حضن الأب يشمل دائماً التعليم والتأديب فإن حضن الأم يعني دفئاً وحناناً دون أن يتكلم أو يقدم النصائح.

في أحيان كثيرة يحتاج الإنسان لمشاعر الحنان هذه، وبالأكثر في أوقات الخطأ وجرح المشاعر حين يكون الإنسان في وضع لا يريد فيه أن يسمع نصائح أو ينال تعليماً أو يتعرض لتوبيخ، إنه يحتاج إلى محبة فقط، محبة تضمد جراحه و تعيد كرامته، محبة لا تذكره بخطئه ولا تنبش في جرحه بل ترفعه فوقهما.

فيما بعد وبعد أن يهدأ روعه وتطيب جراحه قد يكون من الضروري أن يضمه حضن آخر، حضن أبوي يمزج المحبة بالتعليم والنصح والتقويم، لكن لأول وهلة يحتاج الإنسان المجروح أن يرتمي في حضن الأم.

لذلك يشبه الرب معاملاته مع شعبه في هذا الجزء بمحبة الأم وليس الأب، لأن الشعب كان راجعاً من أوضاع مزرية وأخطاء متكررة أطاحت به بعيداً عن مرضاة الله لسنوات طويلة، ولقد نال من قصاص الله ما أبلى لحمهم وجفف عظامهم، وصار الشعب إلى حال لم يعد يقوى فيه على احتمال المزيد من اللوم ولا يستطيع الخضوع لمزيد من التأديب، لذلك يعدهم الرب بسلام كنهر ومجد كسيل جارف، ولا يذكر حتى خطاياهم وتعدياتهم فيما بعد، فتفرح قلوبهم المكسورة وتزهو عظامهم المسحوقة، وما أشبه هذه المحبة بمحبة الأم!!

التدليل

 التدليل هو المحبة الزائدة عن الحاجة!! المحبة في وقت الألم والاحتياج ليست تدليلا بل ضرورة ، أما بعد أن تشفي المحبة جراحنا وتسدد احتياجنا فإن استمرارها بعد ذلك يصبح « تدليلاً»، عندما يكون الطفل مشبعاً في نفسه وجسده ثم يجد مزيدا من المحبة تتدفق نحوه عندئذ يشعر بمشاعر جديدة هي مشاعر «الدلال »!! حيث يشعر بأنه محبوب ليس فقط لأنه محتاج للمحبة بل لأنه موضوع للمحبة وهدف لها في حد ذاته حتى لو لم يكن محتاجاً.

وهذا ما فعله الرب مع شعبه وما يفعله دائما ، فهو لا يعطى سلاماً قدر الحاجة بل سلاماً فائضاً كنهر، ومجده ليس بحسب الاحتياج بل كسيل جارف، إنه دائما يكيل في أحضاننا کیلاً ملآناً و مهزوزاً وفائضاً، وكثيرا ما أعطانا أكثر كثيرا مما نطلب أو نفتكر، وكثيرا ما أعطانا في وقت لم نكن نشعر فيه بالاحتياج الملح، هذه المحبة المدللة هي أقرب لمحبة الأم.

الرضاعة

بالنسبة للرضيع حضن الأم ليس حنانا ودلالاً فقط بل أيضا غذاء وشبعاً، وما أعظم لبن الأم المقترن بحنان حضنها، إنه أكسير الحياة وضرورة للنمو السليم، إنه غذاء سهل الهضم وكاف في قيمته الغذائية في أثناء شهور الطفل الأولى.

والرب كثيرا ما تعامل معنا بهذه النوعية البسيطة من التعزية، بالذات في بدايات حياتنا الروحية، حيث كان يمزج محبته وحنانه بكلمات بسيطة مشجعة للنفس يقول عنها الرسول «سقيتكم لبناً لا طعاماً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون » (1كو 3 : 2).

لذلك يقول الرب لشعبه الراجع أنهم « سيرضعون» أي أنه سيتكلم معهم كلاماً بسيطاً مغذياً ومشبعاً للنفس ولن يثقل كاهلهم بكلمات وتعاليم ثقيلة. ما أشبه تعزية الروح في أوقات رجوعنا الأولى بحضن الأم الذي يرضع!!

ولكن إذا كانت مشاعر الأبوة والأمومة التي غرسها الرب في نفوس البشر ما هي إلا قبسأ من مشاعره هو له المجد إلا أن محبته تبقى أعظم بما لا يقاس ، فمحبة الأب والأم كثيراً ما تشوبها النقائص والسلبيات وفي أفضل أحوالها لا تبلغ الكمال، فكم جرحت قسوة الآباء الأبناء، وكم أفسد الحنان والدلال نفوس الأبناء بدلا من تقويتها، ولذلك يقول الكتاب أن آباء أجسادنا أدبونا « حسب استحسانهم» وأن الأم قد تنسى رضيعها ولا ترحم ابن بطنها، أما تعزية الروح فهي تبقى أعظم وأكمل (يتبع).

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق