سبعة أرواح
الله (59)
بقلم :
فخري كرم
قلنا إن الروح «المعزي
» يعين ضعفنا في مجالات شتى: فهو يعيننا في مجال الصلاة فيشفع فينا بأنات لا ينطق
بها ، وهو يشفع فينا في مجال الحرب الروحية فيعلمنا كل الحق الذي به نواجه أكاذيب
إبليس وننتصر. ويشفع فينا في مجال الخدمة فينطق فينا أمام الناس بما يناسب
احتياجاتهم وبما يفوق - في أحيان كثيرة - علمنا وخبرتنا، واليوم نتحدث عن آخر تلك
المجالات وأعمقها ألا وهو:
الصراع الداخلي (غل 5 :
17 )
يعلمنا الكتاب أن صراعنا الأكبر ليس مع العالم
أو إبليس بل مع كيان فاسد موجود في أعماقنا، فإذا كان العالم وإبليس قوي خارجية
يمكن تمييزها فإن هذا الكيان يختبيء في اللاوعي داخلنا ويصعب تمييزه بسهولة، يعمل
في الخفاء مثل الجاسوس لصالح العدو يفسد أشياء في حياتنا دون أن نراه ويقطع
علاقتنا مع الله مراراً دون أن نشعر !! والكتاب يستخدم بعض الأسماء للدلالة على
هذا الكيان، وكل تسمية لها معنى خاص وتشير إلى جانب مختلف من جوانب هذا الكيان:
الانسان العتيق (رو6 :
6)
إن هذا الكيان ليس مجرد
قوى غريزية عشوائية كما يظن البعض بل هو «إنسان» كامل له فكر و مشاعر وإرادة، إنه
كيان عاقل متكامل، إذا تركنا له الفرصة يستطيع أن يقود الحياة كلها!! بل إنه
بالفعل يقود حياة الناس ويسيطر عليهم ويسبيهم إلى فعل الخطية ولو من طرف خفي !!
والرسول يستخدم كلمة «
إنساننا » العتيق بالمفرد وليس بالجمع لأن هذا الكيان له جوهر واحد في جميع الناس،
قد تختلف أشكاله وأساليبه من شخص إلى آخر بحسب البيئة والنشأة والثقافة لكن يبقى
الجوهر واحد لأن جذور هذا الكيان ترجع إلى بذرة واحدة !!
فهذا الكيان « عتيق»
لأن جذوره قديمة ترجع إلى نشأة الإنسان الأولى في جنة عدن. لقد ألقى إبليس بذرة
هذا الكيان في داخل الإنسان البرىء عندما همس في أذن حواء أن تكف عن الخضوع لمشيئة
الله وتنصاع لشهوتها، سقطت هذه البذرة في أرض الإنسان ولاقت قبولا منه فرعاها واحتضنها
على مدار الأجيال، وسقاها من عصارة ذهنه ومشاعره حتى صارت شجرة عميقة الجذور
يستحيل اقتلاعها، وأصبحت إنسانا متكاملا له فكره ومنطقه ونظرته للأمور ولذلك يسميه
الرسول أيضا:
ناموس في الأعضاء (رو 7 : 23)
« ناموس» تعني أن هذا
الكيان له حكمه ومقاييسه للصواب والخطأ والخير والشر أي أنه ليس مجرد غرائز غير
عاقلة بل سيداً قاسياً له سلطانه على الإنسان كله!! لكن المشكلة أن حكمه ومقاييسه
مخالفة تماما لحكم ومقاييس الله. إنه يستطيع أن يريح الضمير على أفعال أثيمة ويزعجه
جدا إذا قرر فعل مرضاة الله!!
وهذا الناموس هو «في
أعضائنا ، أي أنه في صميم تكويننا، إنه ليس عدواً خارجياً يمكن تجنبه بل داخلياً
لا يمكننا الهروب منه، إنه متغلغل في كل أجزاء الكيان. كامن خلف كل الأفكار ورابض
وراء كل المشاعر ومحرك لكل إرادة!! إنه يولد معنا وينمو معنا ولا يفارقنا إلا بالموت.
حيات أولاد أفاعي (مت 23 : 33)
عندما وصف الرب الكتبة
والفريسيين بهذه العبارة لم يكن يشتمهم - حاشا - بل كان يصف الحقيقة المجردة،
وأحيانا تكون الحقيقة قبيحة مثل الشتيمة !! فهذا الكيان مخادع ومراوغ جداً ، يجيد
التخفي والتلون، يرتدي أي ثوب ويتكلم بأي لغة لكي يلقي القبول، إذا شعر بنجاسة في
الداخل أظهر قداسة في الخارج، وإذا لمس حقداً وحسداً أسرع في إظهار المحبة، لا
يعنيه ما بداخل الكأس إذا كان الخارج نظيفاً، يحاول الالتفاف على وصايا الله بأن
يظهر تقديسه لها في العلن بينما يكسرها كل لحظة في الخفاء، إذا لاحظ الإعجاب في
عيون الناس شعر بالرضا عن النفس حتى لو كانت أعماقه تموج بكل شر، إن دينه هو
المظهر الجميل وإلهه هو عيون الناس !! لذلك يقول الرب «القلب أخدع من كل شيء وهو
نجيس، من يعرفه؟» (إر 9 : 17).
وإذا تذكرنا أن إبليس
هو «الحية القديمة » ندرك على الفور «صلة القرابة» التي بين إبليس وبين هذا الكيان
الساقط!! ونفهم لماذا قال الرب «أنتم من أب هو إبليس» (يو 8 : 44) إن هذا الكيان
يحمل نفس طبيعة إبليس المخادعة!! وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق