سبعة أرواح
الله (60)
بقلم :
فخري كرم
قلنا إن الروح المعزي
يشفع فينا في مواجهة الكيان الساقط الموجود بداخلنا ، ولقد استعرضنا بعض الأسماء
والصفات التي وصف بها الكتاب المقدس هذا الكيان ، فهو إنسان" عتيق و
ناموس" كامن في أعضائنا و"حية" بنت أفعى !! واليوم نضيف أن هذا
الكيان يسمى أيضا :
الجسد
أثار هذا الاسم الكثير
من سوء الفهم في الأوساط الروحية والسبب أن الرسول يستخدم كلمة "الجسد"
بمعنيين مختلفين في كل رسائله ، وعدم التمييز بين هذين المعنيين أدى إلى الخلط
بينهما وتسبب في معاناة روحية للكثيرين !! لذلك من الضروري أن نفهم فكر الرسول جيداً
ونميز بين هذين المعنيين المختلفين ، المعنى الأول والبسيط هو :
الجسد المادي
وهو الجسد الذي أخذناه
بالميلاد وسنتركه بالموت ، وعندما يتكلم الرسول عن الجسد بهذا المعنى نراه يحترمه
ويقدره ، كيف لا وهو الذي حمل سمات الرب يسوع في "جسده" (غل6 : 17) وسعى
في كل حياته أن يتعظم المسيح في "جسده" سواء بحياة أو بموت (في۱: ۲۰) ولا يظن أحد أن الرسول كان يعتبر الجسد المادي شرا وإلا كيف يصف
الكنيسة بأنها " جسد " المسيح (أف ۱: ۲۳) !! لا يمكن أن الرسول يلجأ لتشبيه الكنيسة بالجسد إذا كان الجسد له
معاني سيئة في ذهنه ، وفصل الخطاب في هذه المسألة هو قوله الصريح: "فإنه لم
يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضا للكنيســــة " (أف 5: ۲۹) وإذا قال الرسول أن أحدا لم يبغض جسده قط فلابد أن الرسول كان يحب
جسده !! ولذلك كان يصلي لأجل شفائه (۲ كو 12 : 8) وطلب من تلميذه تيموثاوس أن يهتم بجسده (1تي 5: ۲۳) وصلى لكي تحفظ أجساد مؤمني تسالونيكي كاملة حتى مجيء ربنا يسوع
المسيح (1تس 5: ۲۳)
بل إن تعليم الرسول عن
الجسد المادي يتعدى الاحترام والتقدير إلى التقديس !! فنراه يطلب من مؤمني رومية
أن يقدموا أجسادهم ذبيحة حية "مقدسة" مرضية عند الله (رو ۱۲: ۱) ولأهل كورنثوس يقول: "أن أجسادكم هي أعضاء المسيح.. أن جسدكم
هو هيكل للروح القدس.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله
"(1كو6 : 15 ، 19 ، 20) وهل يمكن أن تكون أعضاء المسيح غير مقدسة ؟! أو هل
يسكن الروح في هيكل غير مقدس ؟! وهل يمكن أن يتمجد الله في الجسد كما في الروح إلا
إذا كان الجسد يتقدس تماما مثل الروح ؟! خلاصة القول أن الجسد المادي مقدر ومحترم
وقابل للتقديس حتى يصير مسكناً للروح القدس وذبيحة مرضية أمام الله وسبب مجد
لإلهنا وأداة بر في يد الله (روة : ۱۳).
أما المعنى الثاني
لكلمة " الجسد" في كتابات الرسول بولس فهو:
جسد الخطية (رو6 : 6)
وهو الإنسان العتيق الشرير الموجود بداخلنا ،
ومن أشهر الأجزاء التي ورد بها هذا المعنى الإصحاحان السابع والثامن من رسالة
رومية حيث نقرأ عنه هذه الصفات : "ليس فيه شيء صالح" ، "جسد هذا
الموت " ، " خادم الخطية"، " اهتمامه موت وعداوة لله" ،
"لا يستطيع أن يرضى الله" ... الخ
ومن الاختلاف - بل
التناقض - الواضح بين الأوصاف التي استخدمها الرسول في وصف الجسد المادي وتلك
المستخدمة في وصف جسد الخطية نتأكد أن الرسول يقصد أمرين مختلفين تماما ، فأحدهما
يسكن فيه الروح القدس والآخر لا يسكن فيه شيء صالح، أحدهما ينبغي أن يتقدس ويقدم
لله كذبيحة حية بينما الآخر ينبغي أن يموت ويصلب ، أحدهما آلات بر لله والآخر خادم
للخطية ، أحدهما ينبغي الاهتمام به والآخر الاهتمام به عداوة لله ، إذا فالجسد
المادي لا يمكن أن يكون هو جسد الخطية ، لكن للأسف كم من مؤمنين خلطوا بين
المعنيين وعاشوا حياتهم في خصومة مع أجسادهم المادية ، واعتقدوا أن معركتهم هي مع
اللحم والدم ، وغاب عنهم أن العدو الحقيقي أعمق من هذا بكثير!!
لماذا الجسد ؟
والآن نسأل لماذا استخدم الرسول كلمة
"الجسد" للتعبير عن هذا الكيان الساقط ؟ لماذا لم يستخدم كلمة أخرى
تفاديا للخلط بينه وبين الجسد المادي ؟ والإجابة هي : أن هذا الكيان الشرير يمارس
قوته وسطوته من خلال احتياجات ورغبات الجسد المادي، يسعى لتضخيم الأمور المادية
ليجعل الإنسان يقضي كل حياته يلهث وراءها ، يحرص أن يظل الإنسان منكباً على شهواته
منذ ميلاده وحتى موته، أي أن الجسد المادي هو الأداة التي يستخدمها جسد الخطية -
في معظم الأحيان . لممارسة سلطانه على الإنسان ، حتى أننا نستطيع أن نميز سلطان
جسد الخطية على إنسان ما من خلال اهتمامه الزائد باحتياجات جسده المادي، وبسبب هذا
الارتباط بينهما قرر الرسول أن يستخدم كلمة واحدة للتعبير عنهما، كلمة واحدة تعبر
عن الدافع الخفي والعمل الظاهر، عن القوة المحركة والأداة المستخدمة، مع ضرورة
بقاء الفرق بينهما واضحا في ذهن و روح كل من الكاتب الملهم والقارئ المختبر !!
وللحديث بقية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق