الخميس، 31 مايو 2012


الاسم العجيب (58)
فخرى كرم
قلنا أن أحد ألقاب ربنا يسوع المسيح كان لقب «عبد» الله الكامل، وقلنا أن العبد هو مَن يعمل دائماً مشيئة سيده وليس مشيئته الخاصة، ابتداء بالمشيئة العامة المطلوبة من كل عبيد الله وصولاً إلى المشيئة الخاصة التي يتفرَّد فيها كل عبد عن سواه، ودعونا الآن نرى كيف انطبقت صفة العبد هذه على ربنا الكريم تمام الانطباق:
عبد منذ ولادته!!
يقول الوحي بروح النبوة على لسان ربنا يسوع المسيح: «بذبيحة وتقدمة لم تُسرَّ، أذني فتحتَ، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلتُ: هنذا جئتُ، بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت، وشريعتك في وسط أحشائي»(مز40: 7-9) وهذا النص اقتبسه كاتب رسالة العبرانيين من الترجمة السبعينية اليونانية القديمة كالتالي: «لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقرباناً لم تُرد ولكن هيأت لي جسداً... ثم قلتُ هنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله»(عب10: 5-7) والمعنى في كل من النص الأصلي والاقتباس يتكامل ليعطينا صورة جميلة للمشورات الأزلية التي كانت بين الآب والابن قبل التجسد ودخول الابن إلى العالم.
في هذه الصورة نرى الآب يعلن للابن عدم رضاه عن ما يقدمه الإنسان من عبادة تنحصر في ذبائح وتقدمات بينما القلب والحياة تدور في فلك إرادة الإنسان وشهواته، الآب يعلن أن أعمال العبادة التي يقدمها الإنسان لا يمكن أن تُدخل السرور إلى قلبه طالما أن أعماق الإنسان وأحشاءه يعتمل فيها دوافع ورغبات مبتعدة تماماً عن مشيئة الله الصالحة، لقد جعل الإنسان العبادة جزءاً منفصلاً من الحياة يقدم فيها بعض الأعمال والممارسات بهدف إرضاء الله  بينما بقية الحياة تسير نحو غاية واحدة هي إرضاء الإنسان!! الآب يعلن للابن أنه يشتاق إلى رؤية إنسان تكون مشيئة الله في وسط أحشائه، تجري في دمه، تتغلغل إلى خلاياه، تدخل إلى عمق أفكاره ونواياه، إنسان لا يفتعل «عبادة» لكنه يعيش ببساطة وتلقائية «عبودية» كاملة لله، إنسان يجد سروره في سرور الله ويجد شبعه في شبع الإله، الآب يعلن انه لا يريد ذبائح حيوانية يقدمها الإنسان بالانفصال عن ذاته لكنه يشتاق أن يقدم الإنسان ذاته وجسده في طاعة كاملة لله وتتميم لمشيئته، الآب لا يُسر بالمحرقات والذبائح بل يُسر بإنسان له أذن مفتوحة للاستماع والطاعة، لأنه هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش (1صم 15: 22)
وفي المقابل نجد الابن المبارك يعلن اعتزامه أن يكون هذا الإنسان المُشبع لقلب الآب، الابن يعلن للآب أنه بكامل رضاه سيقبل الجسد الذي هيأه له الآب وسيدخل إلى العالم حاملاً الطبيعة الإنسانية الكاملة، وسيكون هدفه منذ دخوله إلى العالم هو أن يعمل مشيئة الآب وسيجد في هذا كل سروره، الابن يعلن للآب أنه سيفتح أذنه في كل صباح ليستمع لمشيئة الله ويسعى لتنفيذها على الفور، حتى لو كانت هذه المشيئة تحتوي على ألم أو مهانة فلن يستر وجهه قط عن العار والبصق (أش 50: 5) لأن شريعة الله ليست منفصلة عن ذاته بل هي في وسط أحشائه، يجد شبعه حين يصنعها ويرتوي إذا تممها (يو4: 34) يا لها من محبة فائقة متبادلة بين الآب والابن!!
كل واحد من عبيد الله بدأ عبوديته لله في يوم ما من أيام حياته، يوم سبقته أيام كثيرة لم يكن فيها عبد لله ولم يصنع فيها مشيئة الله، كلنا عشنا سنوات طويلة نصنع مشيئات الجسد والأفكار حتى افتقدتنا نعمة الله (أف2: 3) أما سيدي المبارك فقد اتخذ قراره أن يكون عبداً لله عند دخوله إلى العالم، أي أنه كان عبداً منذ ولادته وحتى موته، لم تكن هناك ساعة واحدة في حياته خارج نطاق مشيئة الآب ولا وجود ليوم واحد صنع فيه مشيئته الخاصة!! وللحديث بقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق