سبعة أرواح الله (29)
بقلم : فخرى كرم
رأينا النار في العهد القديم ترمز للروح القدس في عمله القضائي ، روح
القداسة الذي ينتقم من الشر و يزكي الخير، روح الحصاد الذي يفصل بين الحنطة
والزوان، الروح الذي قال عنه أشعياء : «روح القضاء وروح الإحراق » ( إش 4 : 4 ) .
ولقد بدأ هذا الرمز بسيف النار المتقلب في طريق شجرة الحياة، ثم
استمر بعد ذلك من خلال مذبحي النحاس والذهب الموجودين في الهيكل حتى مجيء الرب
وتكوين الكنيسة، وعندئذ كان لابد للرمز أن ينتهي لتحل محله الحقيقة الحية بكمالها
وجمالها، لأن الروح لا يمكن أن يظل محصوراً في رمز مهما كان مقدساً، ولا يمكن أن
يمارس عمله من خلال طقس مهما كان سامياً، لقد ظل الروح يشتاق إلى كيان حي يمكن أن
يسكن فيه ويمارس من خلاله عمله القضائي في الأرض ، كيان كبير متعدد الأطراف
والمواهب يمكنه أن يحتوي كل إظهارات الروح بتعددها وتباينها ، كيان طاهر يحتمل
قداسته دون أن يحترق، كيان يقبل أن يبدأ القضاء فيه أولا، لأن ابتداء القضاء دائما
من بيت الله (۱بط 4 : 17 ) ، ولقد وجد الروح هذا الكيان في الكنيسة
استطاع الرب يسوع من خلال حياته القصيرة، وروح الوداعة التي ملأته، ودمه الكريم
الذي سفكه، وجسده الذي بذله، أن يصنع هذه الكنيسة، مجموعة من الناس صارت أنقياء
بسبب الكلام الذي كلمهم به (يو15 : 3 ) مجموعة حمل هو خطاياهم واحترق بها على
الصليب لكي يقدم للروح القدس « مسكناً » طاهراً مغفور الإثم يمكن أن يسكن فيه إلى
الأبد (يو 14 : 16) ويمارس من خلاله عمله القضائي في العالم (يو 16 : 8) كيان عجيب
متعدد الأشكال والنوعيات يمكن للروح أن يفيض فيه بصور متعددة ويستخدمه في إرساليات
متباينة الأشكال والأغراض، كيان رغم اتساعه وتباينه إلا أنه كيان واحد مترابط، له
رأس واحد ويسكن فيه روح واحد (رو 12 : 4 ـ 12 ) .
الكنيسة هي مسكن الروح القدس وموطىء قدميه في هذا العالم الأثيم،
العالم الذي لا يعرف روح القداسة ولا يستطيع أن يعرفه أو يقبله (يو14 : 17 ) لأنه
عالم اختار النجاسة منهجاً والخطية طريقاً وإبليس إلهاً ورئيساً، هذا العالم لا
يعرف القداسة ولا يريد أن يعرفها ، لذلك لا يوجد لروح القداسة مكان يمارس من خلاله
عمله إلا داخل ومن خلال الكنيسة التي غسلها الرب يسوع بدمه، هذا هو الكيان الوحيد
الذي يحتمل نار قداسة الله بل ويحبها !! الكنيسة هي الكيان الوحيد الذي يقبل قضاء
الله بل ويفرح به!! إنها العليقة الوحيدة التي يمكن أن تشتعل فيها نار قداسة الله
دون أن تحرقها.
بين الرمز والحقيقة
لم يكن ممكناً أن يسكن الروح في الرمز ويمارس عمله في الطقس،
فنار مذبح النحاس لم تستطع أن تنزع الخطية من قلوب مقدمي الذبائح، لذلك ظل الروح
يشتاق إلى كيان حي يحرق فيه وبه الخطية من قلوب الناس فعلا، والله لم يشبع قط من
رائحة البخور المتصاعدة من نار مذبح الذهب، لذلك ظل الروح يشتهي كيانا بشرياً يستطيع أن يرفع منه وبه عبادة وسجودا مشبعاً لقلب
الله حقا، ومن قال أن سيف نار متقلب في يد كروبيم يمكن أن يعلن موقف الله من خطية
الإنسان، بل ظل الروح ينتظر أن يسكن في كيان إنسان يستطيع فيه وبه أن يبكت العالم
على خطيته ويعلن عملياً أن الخطية هي التي فصلت بين الإنسان والحياة الأبدية.
ولقد استطاع الرب يسوع بروح الوداعة أن يبني هذا الكيان الإنساني
البشري الحي ليسكن فيه روح القداسة ويعلن فيه وبه قداسة الله وقضاءه، ولقد أعلن
الروح المبارك عن قبوله ورضاه بالسكني في هذا الكيان عندما حضر في يوم الخمسين وحل
على كل واحد من الموجودين في العلية في هيئة ألسنة منقسمة من نار، ليعلن أن الروح
الذي سكن في هؤلاء هو ذات الروح الذي أشارت إليه نيران المذابح التي ظلت مشتعلة
طوال العهد القديم، وأنه سيعمل فيهم وبهم ما عجزت عن فعله المذابح الرمزية
والنيران الطقسية.
عطاء متبادل !!
إذا كان الأب قد هيأ للابن جسدا ليدخل به إلى العالم (عب 10 : 5 )
فإن الابن قد هيأ مسكناً للروح القدس ليسكن فيه في العالم، وهذا المسكن هو
الكنيسة، والروح القدس بدوره سيهييء هذه الكنيسة لتكون عروساً للابن (رؤ 21 : 2 )
ومن الناحية الأخرى سيهيئها لتكون مسكناً لله الآب مع الناس (رؤ 21 : 3 ) ، إن
المحبة والعطاء المتبادلين بين الأقانيم هما أعظم مما تدركه عقولنا، لكن ما ندركه فعلا
هو أنه طوبى لمن له نصيب في كنيسة الله الحقيقية، مسكن الله الأبدي مع الناس !!
(يتبع).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق