السبت، 18 فبراير 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (30)

بقلم : فخرى كرم

قلنا إن روح النار أتى ليسكن في الكنيسة ليمارس فيها ومن خلالها عمله المبارك الذي كانت تشير إليه نيران مذابح العهد القديم، وقلنا إن هذا العمل مزدوج حيث إنه يزگی الصلاح ويظهره - مثل مذبح الذهب - ومن الناحية الأخرى يدين الشر ويحرقه كما كان يشير مذبح النحاس، وهذا العمل المزدوج هو ما نريد الآن أن نتتبعه عملياً في حياة الكنيسة الأولى:

اظهار الصلاح

عندما عاش رب المجد في وسط تلاميذه استطاع بروح الوداعة أن يزرع في أعماقهم بذور الصلاح الحقيقي، سواء بواسطة كلامه الثمين الذي أعلن فيه طبيعة البر الذي يريده الله، أو بحياته الكريمة التي ترجم فيها هذا البر عملياً ، لقد سمعوا منه عن الصلاة التي ترضى الآب ورأوه يصلي أمامهم هذه الصلاة، سمعوا منه عن المحبة للقريب وللعدو ورأوا فيه هذه المحبة متجسدة ، سمعوا منه عن القداسة الحقيقية وليست المظهرية، ورأوا فيه هذه القداسة وهي تتعامل مع أشر الناس وأحط دركات المجتمع، قداسة لم تستطع نجاسة الإنسان أن تلوثها بل استطاعت هي أن تهزم النجاسة وتطلق كثيرين من قيودها أحراراً.

وهكذا انزرعت في قلوبهم بذور الصلاح الحقيقي، ما لم يفهموه بالأقوال فهموه من الأعمال، وما لم تشرحه لهم كلماته شرحته لهم لمساته، والقلوب التي لم تنفتح أمام إعلانه انفتحت أمام محبته وغفرانه، خلاصة القول إن الرب ترك قلوباً مملوءة بمعرفة الصلاح، وهم من ناحيتهم أحبوا هذا الصلاح الذي رأوه في سيدهم، وفي نوره اكتشفوا زيف الصلاح المظهري الذي كان يملأ الساحة حولهم، ولم يعودوا يستطيعون العيش بمقاييس البر الإنساني بل صارت قلوبهم تشتاق لأن تحيا على نفس مستوى البر الذي رأوه في يسوع.

.. ولكن !!

كان هناك ما يمنع أن تنمو هذه البذار الثمينة وتتحول إلى حياة عملية، فمن الخارج كان المناخ الروحي المحيط بهم لا يسمح لهم بهذه الحياة، ومن الداخل كان ينقصهم الجرأة والقوة والسلطان لكي يعيشوا هذه الحياة ضد المناخ الروحي المضاد لهم، البذور الموجودة في قلوبهم لم يكن متوفرة لها القدرة ولا الظروف المناسبة لكي تنمو وتزهر وتثمر، الله وحده كان يرى في أعماق هذه الجماعة كنزاً من بذور الصلاح الحقيقى ولكنه كنز غير معلن ولا يراه أحد من الناس، وهنا يأتي دور...

روح الحصاد

الروح الذي حضر في عيد الحصاد ( يوم الخمسين) لكي يميز بين الحنطة والقش، فيجمع الحنطة إلى المخازن وأما القش فيحرقه بنار، وهو نفسه روح النار الذي يميز بين الذهب والزغل، فيلمع الذهب و يزكيه ويحرق الزغل، إنه الروح الذي اختار أن يأتي في هيئة ألسنة من نار في يوم عيد الحصاد لكي يعلن لنا طبيعة عمله في الكنيسة، لقد أتى لكي يساعد هذه البذور لكي تعيش وتمتد إلى أقصى مدى لها، أتى لكي يوفر لها المناخ المناسب ويمنحها القدرة للنمو، لم يأت روح يوم الخمسين لكي يزرع بذورة جديدة فالزارع هو رب المجد يسوع، لكنه أتى لكي يعطى للبذور المدفونة إمكانية الظهور على وجه الأرض لكي يراها الجميع، أتى لكي يجسد الصلاح الذي زرعه الرب في قلوب أتباعه و يزكيه ، أتي لكي  يحول المعرفة إلى أعمال علانية، أتى لكي يجعل هذه الجماعة الصغيرة تمارس سلوكا يصعد بخوراً طيباً أمام الآب السماوي، الأمر الذي كانت تشير إليه نيران مذبح البخور لمئات السنين، فالآب لم تكن تشبعه رائحة البخور بل كان يشتاق إلى الصلاح الحقيقي الذي يخرج من أناس حقيقيين أحبوا إلههم بحق وعاشوا أمامه بقداسة حقيقية، وفي ملء الزمان استطاع الرب يسوع أن يغرس هذا الصلاح الحقيقي في قلوب أتباعه، وعندما أتى يوم الخمسين واشتعلت نار الروح في هذه القلوب فاحت رائحة الصلاح الحقيقي وغطت كل المسكونة.

الأساس والبنيان

بعبارات أخرى نقول إن تعاليم الرب لتلاميذه كانت الأساس الثابت على الصخر في قلوبهم، لكنه مدفون في العمق لا يراه أحد، ولقد أتي الروح لكي يبني على هذا الأساس بنيانة عالياً يرتفع فوق الأرض ليراه الجميع، لم يأت الروح المبارك ليضع أساسا جديدا بل لكي يجعل الأساس الذي وضعه الرب معلناً وظاهراً في هيئة أعمال منظورة يراها العالم ويلمسها، ويشبع بها الآب ويرضى، هذا هو العمل الأول لروح النار: تزكية الصلاح وإعلانه (يتبع).

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق