سبعة أرواح الله (28)
بقلم : فخرى كرم
أول ما رأينا النار في الكتاب المقدس كانت تقف عقبة في طريق شجرة
الحياة، ثم رأيناها ثانياً في مدخل خيمة الاجتماع تقف عقبة أيضا في الطريق إلى
المقادس، كان الله يعلن بهذه الصور الرمزية أن قداسته وقضاءه على الخطية هما
العقبة التي تحول دون وصول الإنسان إلى الشركة مع الله، ولكن الصورة الرمزية
الموجودة في خيمة الاجتماع أضافت بعداً جديداً لعمل النار، نراه في
مذبح البخور
لا نرى النار مرة واحدة في خيمة الاجتماع بل مرتين، حيث كان هناك
مذبحان ينبغي أن تبقى النار مشتعلة فيهما باستمرار، الأول هو مذبح النحاس في مدخل
خيمة الاجتماع وكانت تقدم عليه الذبائح الدموية، ورأينا كيف أنه يشير إلى قداسة
الله التي تنتقم من الشر، ولأن الذبائح الحيوانية ومقدميها لم يكن فيهم ما يرضي
الله كانت النار تشتعل في الذبيحة ولا يبقى أمام مقدميها سوى أن يعودوا أدراجهم
دون أن يطمعوا في مواصلة الاقتراب إلي ما داخل الخيمة.
لكن ما أعطى الأمل لمواصلة الدخول إلى الأقداس هو أن هناك مذبحة آخر
من الخشب المغشى بالذهب كان موجوداً في داخل القدس أمام الحجاب المؤدي إلى قدس
الأقداس مباشرة. وعلى هذا المذبح كانت تشتعل دائماً النار ولكن ليس لكي تحرق ذبيحة
دموية بل لكي تذيب البخور العطر وتصعد به رائحة سرور أمام الرب دائما.
عملان للنار
أي أن النار لم يكن لها عمل واحد في الخيمة بل عملان، كانت تحرق
الذبائح الدموية للتكفير عن الخطية وكانت تحرق البخور لإصعاد رائحة طيبة أمام
الرب، وهذا يشير إلى العمل المزدوج لروح النار: إنه ينتقم من الخطية الموجودة في
الإنسان وفي نفس الوقت يزكّى الصلاح الموجود في الإنسان ويرفعه أمام الله رائحة
طيبة.
إن قداسة الله ليست سلبية فقط في عملها بل إيجابية أيضا، أي أنها لا
تنتقم من الشر فقط بل أيضا تزكّى الخير، قداسة الله إذا ما صادفت صلاحا فإنها
تحيطه وتغذيه و تزكيه وترفعه إلى أمام عرش الله، إنها لا تحرق المعادن الرخيصة
فحسب بل أيضا - وفي نفس الوقت - تلمع الذهب وتنقيه وترفع من قيمته، إنه ذات عمل
الحصاد المقترن بروح النار في يوم الخمسين حيث يحترق القش بالنار بينما يتزكّى
القمح ويجمع إلى المخازن.
وإذا
كان مذبح النحاس محاطاً دائماً بالدم والرماد فإن مذبح البخور كان يقترن دائماً
برائحة عطرية جميلة، وإذا كان مذبح النحاس في الخارج بعيداً عن الأقداس فإن مذبح
البخور في داخل الأقداس مباشرة، إشارة إلى أن الخطية أبعدت الإنسان عن محضر الله
بينما البر يقترب به من محضره القدوس.
إلى ماذا يشير مذبح البخور ؟
أراد الله أن يضيف بعداً جديداً للصورة الرمزية التي رأيناها في سيف
النار المتقلب وفي مذبح النحاس، وهو أن هناك أملا للإنسان للتقدم إلى داخل
الأقداس، وذلك في حالة واحدة وهي وجود الإنسان الذي يستطيع أن يجتاز نار قداسة
الله المنتقم من الشر وتظل حياته مرضية أمام الله ويصعد منها رائحة سرور لقلبه،
إنسان إذا اشتعلت فيه نار قداسة الله لا تحرقه كله بل تجد فيه ذهبا يشبع قلب الله،
في هذه الحالة فقط لن تتوقف مسيرة الإنسان عند مدخل الخيمة بل ستمتد إلى أمام
العرش، إلى مذبح البخور!!
هوذا ابني الحبيب الذي به سررت !!
وظلت هذه الصورة الرمزية قائمة طالما ظلت غير متممة، وطالما لم يأت
الإنسان الذي يمتلك القدرة على حمل الخطية واجتياز عقابها كاملا وفي نفس الوقت
يقدم حياة مشبعة لقلب الآب، إلى أن جاء رب المجد الذي جعل نفسه ذبيحة إثم ( إش 53
: 10 ) وفي نفس الوقت أدخل السرور لقلب الآب (مت 3 : 17 ) وعندما اشتعلت فيه نار
قداسة الله قدم حياة كاملة وموتا كاملا، حياة كاملة لسرور الآب وموتا كاملا
للتكفير عن خطايانا ، ولذلك لم تنته حياته الكريمة في نار الصليب بل تزكت ولمعت
وقامت من بين الأموات وصعدت لكي تبقى ماثلة أمام الآب رائحة طيبة إلى أبد الدهور.
وبمجيء هذا المخلص المبارك انتهى الرمز إلى الأبد، انشق الحجاب
وانهدم الهيكل ومذابحه، وانتهى العمل بهذه الصور الرمزية بعدما صارت الحقيقة
الكاملة في متناول أيدينا ، وبعدما صار طريق الأقداس مفتوحاً أمام كل من يختبيء
ويتحد بهذا المخلص العظيم، وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق