الثلاثاء، 2 مايو 2023

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (36)

بقلم : فخرى كرم

تكلم الكتاب عن الروح القدس في (إر 2 : 13 ) باعتباره ينبوع الماء الحي، إشارة إلى أن الارتواء الذي يعطيه الروح للإنسان هو ارتواء من الداخل وليس من الخارج، وارتواء دائم في كل الظروف وليس مؤقتا ، كما أنه ارتواء سهل لا يحتاج إلى مجهودات الإنسان العقيمة، وارتواء نقى غير مشوب بعكارة الأرض . واليوم سنضيف من أقوال الرب في إنجيل يوحنا أبعاداً جديداً لهذا الارتواء المبارك، فهو أيضا

ارتواء أبدى

في حديث الرب مع المرأة السامرية قال لها: «كل من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» وهنا يشير الرب مرة أخرى إلى عطية الروح باعتبارها ينبوع ماء ولكنه يضيف أن هذا البنيوع ينبع إلى مدى أبدی، والأبدية لا تعني فقط المدى الزمني غير المحدود بل تعني أيضا العمق غير المحدود، فالحياة الأبدية لا تعني فقط الحياة إلى مدى زمني غير محدود لأن الأشرار سيظلون أيضا في جهنم إلى مدى زمني غير محدود ، لكن الحياة الأبدية تعني الحياة التي تربط بين أعماق الإنسان وأعماق الله غير المحدود، إنها شركة مع الله غير محدودة في عمقها وفي مداها ، لذلك نحن نتمتع بالحياة «الأبدية» ونحن بعد على هذه الأرض المؤقتة.

لقد جعل الله الأبدية في قلب الإنسان (جا 3 : 11 ) وهذا يعني أن الإنسان بداخله جوع للأمور الأبدية، الحيوان يكفيه من الحياة أن يأكل ويشرب أما الإنسان فلا يستطيع أن يحيا بالخبز وحده ، نسمة الله التي في داخله تجعله يتوق إلى شركة مع الله لا حدود لمداها ، شركة تصل إلى كل أعماقه الأبدية وتشبعها، الإنسان يحتاج إلى حب أبدى ( إر ۳:۳۱ ) وفرح أبدى ( إش 61 : 7 ) وحماية أبدية (تث 33 : 27 ) ... إلخ.

لذلك فكل المشاعر الإنسانية السطحية والعلاقات الاجتماعية الخارجية لا تستطيع أن تشبع العمق الأبدي في قلب الإنسان، وهذا ما أراد الرب أن يقوله للسامرية التي اختبرت علاقات اجتماعية متعددة ومشاعر عاطفية متنوعة ومع ذلك ظل عطش قلبها كما هو، لم يستطع أي إنسان أن يملأ قلبها الأبدي، الأمر الذي لا يستطيعه سوى روح المياه المبارك لأنه ينبع إلى العمق الأبدي في قلب الإنسان.

هل اختبرت هذا الارتواء الأبدى أم مازلت تأمل خيراً في مياه كل من يشربها يعطش أيضا ؟!

ارتواء فائض

في اليوم الأخير العظيم من العيد نادى يسوع قائلا «إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب، من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي» ويؤكد لنا يوحنا أن الرب قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون مزمعين أن يقبلوه.

وفي هذا الجزء يضيف الرب أن ارتواء الروح ليس ذاتياً محدوداً باحتياج الإنسان بل هو فائض يملأ الكيان ثم يجري أنهارا لارتواء الآخرين أيضا، ولأن طبيعة الروح هي المحبة والعطاء لذلك بمجرد أن يجد لنفسه أرضا في قلب إنسان ما نجده يفيض منه إلى كل المحيطين به، انظر إلى الرب يسوع أثناء حياته على الأرض ستجد أن كل من اقترب منه نال الشفاء، ذلك لأن الروح الذي فيه من طبعه الفيض والانتشار بل انظر إلى التلاميذ بعد يوم الخمسين ستجد نفس الميل للفيض والانتشار حتى أن ظل بطرس ومآزر بولس نشروا الشفاء في كل مكان!!

لا نجد هذا الميل والانتشار في متع العالم وملذاته التي تتميز دائما بالأنانية والذاتية، وفي سبيل حصولنا عليها نضطر أحيانا أن ندوس على الآخرين، وإذا حصلنا عليها لا نستطيع أن نقتسمها مع الآخرين لأنها محدودة وإذا توزعت على أكثر من فرد نقصت قيمتها، أما عطية الروح فهي العطية الوحيدة التي إذا تشاركنا فيها مع الآخرين ازدادت، ألم يقل الكتاب: «المروي هو أيضا يروى » (أم 11 : 25 ) كلما أعطيت الآخرين من المياه التي عندك ستجد أنها تزداد وتفيض كالأنهار، أما إذا أردنا أن نحصرها في ذواتنا سنجد هذا الفيض يتوقف!! ولنا في قصة الأرملة ودهنة الزيت مثلا (۲مل 4 ) كلما كانت هناك أواني فارغة كلما فاضت دهنة الزيت وملات كل الأواني، وعندما لم يعد هناك المزيد من الأواني الفارغة توقف الفيض!!

هل يشعر المحيطون بك بهذا الفيض من داخلك ؟! (يتبع).

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق