الأربعاء، 17 مايو 2023

أحاديث من القلب

سبعة أرواح الله (38)

بقلم : فخرى كرم

بعدما تحدثنا عن الصورة الرمزية للحمامة والتي تشير إلى روح الوداعة، وعن الصورة الرمزية للنار والتي تشير إلى روح الامتحان والقضاء، وعن الصورة الرمزية للمياه والتي تشير إلى روح الارتواء، نبدأ اليوم حديثنا عن صورة رمزية رابعة لروح الله، ألا وهي صورة :

الريح

في حديث الرب مع نيقوديموس شبه عمل الروح بعمل الريح: « الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي  ولا إلى أين تذهب ، هكذا كل من ولد من الروح » ( يو 3 : 8 )

ولقد أكد الروح هذا التشبيه عندما اختار أن يحضر في يوم الخمسين مصحوباً من السماء كما من هبوب ريح عاصفة» ( أع 2 : 2 )  مما يشير إلى أن الله يريد أن يقرب لأذهاننا جانبا آخر من جوانب عمل روح الله المتعددة، وهذا الجانب هو:

العمل الخفي

 الريح خفية لا نستطيع أن نراها ، لأن العين الإنسانية تعجز عن ملاحظة جزئيات الهواء شديدة الدقة، كما أنها لا تستطيع أن ترى مناطق الضغط الجوي التي تتحكم في مسار الريح، كل ما نستطيع أن نراه هو تأثير الريح على الأجسام المرئية، إننا نعرف أن هناك ريح عندما نرى الأغصان تتمايل والأوراق تتطاير والطواحين تدور.

وهذا ما أراد الرب أن يقوله عن عمل الروح، إنه من المستحيل على الإنسان أن يدرك تماما طبيعة عمل الروح أو يعرف على وجه اليقين الدافع المحرك له أو الهدف الذي يرمي إليه، كل ما يستطيعه الإنسان هو معرفة أن الروح يعمل إذا ما رأى تأثيراته في داخل النفس الإنسانية، إذا ما رأينا النفس تتمايل وتسقط تحت تأثير تبكيت الروح، أو رأيناها تطير وتحلق في الآفاق الروحية متحررة من جاذبية الجسد والعالم تحت تأثير تعزية الروح، أو رأيناها تعمل أعمالا روحية نقية وخالية من شوائب الذات الإنسانية الرديئة تحت تأثير مواهب الروح، فعندئذ فقط نعرف أن الروح يعمل!!

قصور إنساني وليس غموض إلهى !!

 إن سر خفاء عمل الروح ليس ميل إلهنا للغموض والاختفاء، حاشا، بل السبب هو قصور الروح الإنسانية عن فهم وملاحظة دقائق عمل روح الله المبارك، إلهنا يريدنا أن نعرف كل شيء (يو ۱۵:۱۵ ) لكن المشكلة هي أننا لا نستطيع أن نفهم أو نقبل كل شيء (يو 16 : 12 ) ولهذا يضطر الرب أحياناً كثيرة للتعامل معنا بشكل خفي وغامض وغير مفهوم.

لقد تمنى الرب أن يشرح لتلاميذه قبل الصليب كيفية سير الأحداث القادمة لكي يحميهم من الخوف والانزعاج، لكن القصور كان في قدرة التلاميذ على الاحتمال، لذلك اضطر الرب أن يتركهم في مهب «الريح» حيث تجرفهم الأحداث وهم لا يفهمون شيئا ، ليس لأنه أراد أن يخفى عنهم عمله بل لأنهم بطيئو القلوب في الإيمان.

نفس المفهوم قاله الرب لبطرس: «لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك حيث لا تشاء» ( يو 21 : 18 ) وهو ما يعني أن الإنسان الطبيعي يجب أن يمشي حيث يريد وحيث يفهم، أما الإنسان الروحي فهو يسلم قيادة حياته للروح الذي أحياناً كثيرة يقوده إلى حيث لا يريد ولا يفهم!!

التعامل مع روح «الريح» ليس سهلا على الطبيعة البشرية التي تريد أن تفهم كل شيء قبل أن تتحرك، تريد أن تعرف كيف ستسير الأمور قبل أن تخطو خطوة واحدة في الطريق، الإنسان بطبعه يخشى المجهول ولا يحب السير في طريق غير معروف، لكن من يريد التعامل مع روح «الريح» لابد أن يجتاز كثيراً في الغموض والمجهول!!

السيناريو المسبق

يميل الذهن البشرى دائما لرسم سيناريو مسبق للأحداث المستقبلة لكي يطمئن ويستطيع أن يخطو للأمام، يتخيل كيفية سير الأحداث في الأيام القادمة ويتوقع فيها الخير لكي يجد الدافع للاستمرار، لكن أحيانا كثيرة نجد الله يقود الأحداث في مسار مخالف للسيناريو الذي رسمناه لأنفسنا ويقودنا لأوضاع لم تكن في حسباننا مما يجعلنا نشعر بالاضطراب، والحقيقة أن سبب اضطرابنا ليس المسار الذي اختاره الله لنا بل مخالفة هذا المسار لتوقعاتنا المسبقة، إن خطورة توقع سيناريو مسبق للأحداث هو أننا نفقد مرونتنا في يد روح «الريح» ولا نستطيع أن نميل معه حيث يقودنا بسهولة ويسر، وهذا ما سنراه بوضوح أكثر في المرات القادمة بإذن الله.

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق