سبعة أرواح الله (48)
بقلم : فخرى كرم
قلنا إن النبي هو الشخص
الذي يقترب من الله ليعرف فكره الخاص بشعبه في وقت محدد من التاريخ، ثم يقترب من
الشعب لينقل إليهم هذا الفكر وقد يستطيع أن يقودهم أيضا لتحقيق هذا الفكر، ولقد ظل
موسى هو النموذج الكامل للنبي في عيون بني إسرائيل والقمة التي لم يدنو منها أى نبي
آخر في تاريخهم، حتى جاء يسوع إلى العالم، وكما مسحه الله بمسحة الملك والكهنوت
نراه أيضا يمسحه
مسحة النبوة
« روح السيد الرب على لأن الرب مسحني
لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسرى القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين
بالاطلاق، لأنادي بسنة مقبولة للرب (إش 61 : 1 ، 2 ) . في بداية خدمة الرب
العلانية نراه في مجمع الناصرة يقرأ هذه الآيات ويؤكد أنها قد تمت في شخصه، إنه هو
النبي الذي مسح لكي ينقل فكر الله هذا إلى الشعب، ويا له من فكر جميل!! لقد كان
فكر الله تجاه شعبه هو فكر الشفاء والعتق والقبول في وقت كان الشعب في حضيض الضعف
والهوان والموت!! كان يسوع هو المسئول عن نقل هذا الفكر إلى الشعب ليس فقط بكلامه
بل أيضأ بحياته التي جال فيها يصنع خيرأ ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس.
من هذه الزاوية كان
الرب «مثل» موسى، الذي أيضا جاء إلى الشعب في وقت كانوا في حضيض العبودية والذل
والهوان لينقل لهم فكر الحرية والعتق والاستقلال، واستطاع بكلماته وبحياته أن
ينقلهم من كونهم عبيداً في أمة غريبة إلى شعب له أرض ووطن، كل من موسى و يسوع كانت
خدمته فاصلة في تاريخ شعب إسرائيل، كل منهما نقل الشعب من وضع إلى وضع آخر، كل
منهما أنهى كياناً قديما وأنشأ كياناً لم يكن موجوداً من قبل، كل منهما نقل للشعب
أقوالاً إلهية حاسمة ظلت منهجاً للسلوك عبر الأجيال، كل منهما قدم إعلاناً عن الله
لم يكن معروفاً من قبل، كل هذا جعل الروح القدس يشير إلى نبـــوة موســى فـي (تث
18 : 15 ) ويؤكد أنها قد تمت في شخص الرب
له كل المجد (أع 3 : 22 ، 7 : 37 ) أي أن يسوع هو النبي الذي جاء إلى الشعب «مثل»
موسى !!
ولكن ... !!
هنا لابد أن نقف ونستدرك ونقول إن وجه الشبه بين
موسى و يسوع محصور فقط في كون خدمتهما كانت حاسمة وفاصلة في تاريخ الشعب، لكن لا
يظن أحد أننا نقصد أن مضمون خدمتهما كان متشابهاً، حاشا !! فالفرق شاسع جدا بين
مضمون خدمة موسى ومضمون خدمة يسوع، بل أننا نقول إن كل ما فعله موسى في وسط الشعب
لم يكن إلا ظلا باهتاً لما كان يسوع مزمع أن يفعله للشعب.
أخرج موسى الشعب من تحت
عبودية فرعون أما الرب فقد أتى لكي يحررنا من عبودية الخطية، وما أبعد الفرق بين
العبودية الخارجية لإنسان والعبودية الداخلية للشيطان !! فتح موسى البحر أمام
الشعب أما الرب فقد فتح لنا طريقاً في السماويات إلى الأقداس عينها، أطعم موسى
الشعب بالمن أما الرب فقد أعطانا الخبز الحي الواهب الحياة ، وهذا الخبز لم يكن
سوى حياته نفسها، لقد أعطانا جسده مأكل حق ودمه مشرب حق، وما أبعد الفرق بين من
يعطى خبزاً ومن يعطي حياته!! بشفاعة موسى هزم الشعب أعداءه وبشفاعة الرب صار لنا
السلطان أن ندوس حيات وعقارب وكل قوة العدو، لقد أشهر أمامنا ليس أجناداً بشرية بل
كل الأجناد الروحية في السماويات ظافراً بهم في الصليب، أتى موسى بالناموس للشعب
وبالناموس صار حكم الموت على الجميع إذ أخطأ الجميع، أما يسوع فقد أتي لنا بالنعمة
والحق، النعمة التي تستطيع أن تغفر للإنسان خطاياه وتعطيه القدرة ليعيش بحسب الحق،
رفع موسى حية نحاسية لكي يشفي الشعب من آلام المرض أما الرب فقد رفع بنفسه على
الصليب لكي يمنحنا حياة أبدية، بنى موسى للشعب خيمة الاجتماع التي هي ظل للأقداس
السماوية أما يسوع فقد شق أمامنا الحجاب لكي ندخل معه إلى الأقداس عينها ... وماذا
نقول أيضا ؟! إننا لا نستطيع أبدأ أن نحصر بكلماتنا الفروق الواسعة التي بين خدمة
موسى وخدمة رب المجد، لأن الفرق بينهما كالفرق بين الأرض والسماء أو بين الجسد
والروح أو بين الموت والحياة... وكلها فروق أبعد من قدرتنا على البيان !!
لكن كل ما نستطيع أن
نقوله هو إن « النبي» العظيم قد جاء، النبي الذي حمل إلينا أكمل وأجمل إعلان عن
شخص الله، هل قبلت هذا الإعلان في حياتك ؟ وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق