السبت، 10 فبراير 2024

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (62)

بقلم : فخري كرم

قلنا إن الروح يعين ضعفنا في مواجهة الإنسان العتيق الموجود في داخلنا ، هذا الكيان الذي يشبه الحية في خداعها وتلونها، وهو يسري في أعضائنا بقوانينه وناموسه ويستغل احتياجات وشهوات أجسادنا المادية ، كما أنه يضاد الروح القدس في كل دوافعه وأعماله.

واليوم نسأل : كيف يعيننا الروح في مواجهة هذا الكيان الساقط ؟ هل يحاول أن يصلح هذا الكيان ؟ هل يجيزه في تدريبات لأجل تهذيبه وتعليمه ؟ هل علاج هذا الكيان في مزيد من الاستنارة والفهم ؟ قد يظن البعض هذا ويقضون حياتهم ينتظرون يوما يجدون في أعماقهم شيئا أفضل ، لكن للأسف هذا اليوم لن يأتي أبدأ !! لأن كلمة الله تخبرنا بحقيقة مؤلمة ألا وهي أن هذا الكيان غير قابل للاصلاح.

و المسيحية تقدم لنا الحق كما يراه الله سواء كان هذا الحق مقبولا من الإنسان أم لا، مؤسسها له المجد هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم لكي ينير كل إنسان ، وكتابها المقدس مثل المرآة الصادقة التي تكشف لنا عيوبنا بدون استئذان !! إنها لا تستمد وجودها وقوتها من الإنسان لذلك هي لا تجامله أو تهادنه بل تكشف حقيقته أمام عينيه.

والحق الذي يعلنه الله لنا في الكتاب المقدس هو أن هذا الكيان الذي في داخلنا ليس فقط شريراً بل غير قابل للإصلاح ، يطلق عليه عدة أوصاف تعطينا هذا المعنى : فهو «فاسد » (أف 4: ۲۲) أي أنه تخطى مرحلة العطب الجزئي القابل للعلاج إلى مرحلة الفساد النهائي ، وهو أيضا «لا يقبل ما لروح الله» (1كو 2 : 14) فكيف يتعامل مع الله ؟ وهو «لا يفهم» (رو3: 11) فكيف يمكن أن يتعلم ويتهذب ؟ بل هو « مائت » (رو6 : ۱۲) وهل يمكن أن ننتظر تحسنا أو تغييرا يطرأ على الميت !!

كيف نتعامل معه ؟

يعلمنا الكتاب المقدس أن الله لا يتعامل مع هذا الكيان إلا بالموت !! عندما اختار شخص الرب يسوع أن يكون بديلا عنا أمام الله صدر عليه حكم الموت ، لو كان هناك أمل في إصلاحنا لكان حكم الموت ليس ضرورياً أو منطقياً ، لكن بصدور هذا الحكم على الابن الحبيب دون شفقة يؤكد أن الله لا يقبل التعامل بعد مع هذا الكيان الفاسد المضاد لله، وهذا ما عبر عنه الرسول قائلا: «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية» (رو6: 6) أي أنه بصدور حكم الصلب على ربنا المبارك كان ذات الحكم يصدر على إنساننا العتيق ، وعندما نرى ربنا المعبود معلقاً تحت القصاص واللعنة ندرك أن هذا هو قضاء الله على كياننا الأثيم ، هذا الكيان ينبغي أن «يبطل» أي لا تعود له السيطرة على حياتنا ، وعندئذ لابد أن يكون قرارنا : « مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في» (غل ۲: ۲۰ )

نفس المعنى نجده في قول الرسول : « إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون» (رو8: ۱۳) أي أن أعمال الجسد ليس لها حكم أمام الله سوى الموت ، لا يمكن إصلاح أعمال الجسد أو تهذيبها أو تدريبها بل فقط موتها ، هل وصل هذا الحق بكماله إلى أعماقنا ؟ هل أدركناه ونعيش في نوره ؟

... كلا للأسف !!

هذا الحق الكتابي لا يلقى قبولا من الكثيرين أو على الأقل لا نصدقه كل التصديق !! فالإنسان يحب أن يظن الخير في نفسه ويفتخر بصلاحه ، وحتى بعد الإيمان يظل المؤمن لا يفهم هذا الحق تماما ولا يدرك مدى الفساد الذي بداخله بل ويهرب من محاولات الرب لفضح هذا الكيان الفاسد ، يبقى لسان حالنا كما قال أيوب: «حتى أسلم الروح لا أعزل كمالي عني ، تمسكت ببري ولا أرخيه» (أي ۲۷: 5 ،  6 ) وتكون النتيجة هي أننا نعيش محرومين من رضا الله وتأييده لحياتنا لأن كل الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله (رو 8 :   8 ) وتظل أعمالنا خليطا من بعض أعمال الروح وكثير من أعمال الجسد ، والله لا يمكن أن يبارك مثل هذا الخليط غير المتجانس!! ونظل غير قادرين على الانكسار الحقيقي أمام الله أو التواضع تحت يده القوية لأن هذا الكيان الفاسد في داخلنا متشامخ بطبعه ولا يحب الخضوع لله بل لا يستطيع (رو8:  7 ) !! وللحديث بقية

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق