السبت، 15 فبراير 2025

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (1)

بقلم فخري كرم

    إن القلم يتردد كثيرا قبل الخوض في الحديث عن شخص الروح القدس والقلب يخفق خشية وخشوعاً أمام سلطان شخصه العظيم المبارك، ويشعر الذهن بعجزه وقصوره إزاءاتساع مجده في الأرض والسماء، ومن أين لنا أن نفحص من هو فاحص لكل شيء حتى أعماق الله؟! وكيف نُلم بأبعاد من يحتوي الكون حكمة واقتداراً؟! ولكن احتياجنا إليه هو الذي يدفعنا للحديث عنه، وعوزنا الشديد هو الذي يحتم إن نلتمس طريقنا إلى محضره، فعندما تتدهور المستويات الروحية ويخيم ضباب الجهل وظلام الموت على النفوس الغالية، وتتشقق الأرض عطشًا ولوعة، فطبيعي إن نصرخ: أين منابع القوة والانتصار؟ أين ينابيع الماء الحي؟ أين الروح القدس؟! 

إنه هنا

    إنه موجود في وسط كنيسته منذ يوم الخمسين، مازال يعمل مُقدساً ومُجدداً، مازال يبنى كنيسة المسيح، إنه يعمل رغم كل الظلام والجهل والخطية، مازال أعلى من كل أعمال إبليس، ومازال أقوى من الموت الضارب أطنابه في كل أرجاء المسكونة. قد يتجاهله الإنسان أو يجهله، قد يقاومه أو يرفضه، لكنه سيبقى دائماً عاملاً، من خلف الستار أو من أمامه، رغم الظروف أو من خلالها، بهدوء الحمامة أو بحريق النار، لكنه مازال يعمل حتى يقدم للسماء عروساً مزيَّنة تليق بعريسها ملك المجد، الرب يسوع المسيح، هل لك نصيب في عمله الدائب هذا.

ما هو عمله؟ 

    لكي نميز عمل الروح القدس فينا ينبغي أن ننظر نظرة شاملة لعمل الاقانيم الإلهية الثلاثة تجاه الإنسان، فعمل الروح ليس منفصلا عن عمل الآب أو الابن، بل متكاملا معه: 

    إن الآب هو الله مصدر كل العطايا والمواهب، والابن هو الله الذي دفع ثمن هذه العطايا والمواهب حتى نستطيع نحن أن نتمتع بها، بينما الروح القدس هو الله الذي ينقلها من عرش النعمة إلي داخل قلوبنا وحياتنا اليومية نحن أبناء القرن العشرين. 

   إن الآب هو الله النار الآكلة الذي يبغض الخطية ويعاقبها، والابن هو الذي حمل الخطية عنَّا ودفع عقابها كاملا لكي تتاح لنا إمكانية الغفران والتبرير، بينما الروح القدس هو الذي يحمل هذا الغفران والتبرير إلى الضمير المعذب ويمنح اليقين القلبي في كفاية عمل المسيح الكفارى ، حتى أن الإنسان المتمتع بعمل الروح داخله يتمتع دائما بيقين الغفران ولا يخشى الاقتراب من محضر الله القدوس ليس لأنه متكبر بل لأنه مُبرر بدم المسيح ، والروح يستأنف عمله فينا بتقديس عملي ، بإماتة أعمال الجسد فينا حتى نصير أكثر فأكثر لائقين لشركة ميراث القديسين في النور . 

    إن الآب هو الله القدوس الذي لا يدخل إلى محضره إلا ما هو مقدس وطاهر، والابن هو الذي صنع لنا ـ بحياته وبموته ـ ثوب البر الذي نستطيع به أن ندخل إلى محضر الله القدوس، والروح القدوس هو " الترزي " المبارك الذي يصنع لكل واحد منا ثوب البر الخاص به الملائم لحياته وظروفه ومكانه في جسد المسيح، وهو الذي يخلع عنا أثواب برّنا البالية ويلبسنا ثوب بر المسيح مما يجعل كنيسة المسيح ذات جمال متنوع متكامل فريد. 

    إن الآب هو الله محبة، والابن المتجسد هو الذي أعلن لنا هذه المحبة وترجمها إلى عمل وحياة، والروح القدس هو الذي ينقلها إلينا في وسط مخاوفنا وضعفنا، بل هو الذي ينقلنا إليها رافعاً إيانا فوق خوفنا وضعفنا. 

    وهكذا نقول إجمالاً أنه إذا كان الآب هو الله غاية طريقنا، فالابن هو الله طريقنا، والروح القدس هو الله رفيق طريقنا وبهذا نرى إن الاقانيم الثلاثة تعمل لخيرنا في توافق تام، ولو نقصت شركتنا مع أي منهم لفقدنا الشيء الكثير، فبدون الآب ليس لنا غاية نصل إليها، وبدون الابن ليس لنا سبيل للوصول إلى غايتنا، وبدون الروح القدس ليست لنا القوة للسير في سبيلنا نحو الغاية (يتبع) .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق