الخميس، 20 فبراير 2025

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (4)

بقلم فخري كرم

تكلمنا فيما مضى عن حزن الروح وأسبابه، فدعونا الآن نلقي نظرة على نتائجه وآثاره، سواء في حياة الشركة والعبادة، أو في حياة الخدمة والكرازة، أو في عموم الحياة الروحية.

روتينية العبادة

    قلنا سابقا أن الروح هو الذي يستحضر أمام أرواحنا مجد الله، وهو الذي ينقل النفس إلى آفاق الشركة الحية مع الآب والابن وهو الذي يجعل محبة الآب حقيقة واقعة نحس بدفئها، وهو الذي يجعل صليب المسيح قوة حقيقية تطهر الحياة وتصلب الجسد وتميت العالم في نظر المؤمن، وهكذا تكون شركتنا مع الآب والابن شركة متجددة مثمرة، تنقل النفس في كل يوم إلى آفاق جديدة من مجد إلى مجد إلى صورة المسيح عينها.

    لكن إذا حزن الروح بداخلنا فان هذه الحيوية والجدة تتسرب من حياتنا شيئاً فشيئاً، وقد يستمر المؤمن في ممارسة حياة العبادة، إلا أنها تصبح هيكلاً جميلاً من الخارج بينما هو من الداخل خاوٍ بارد مظلم!! تماما كما حدث مع الهيكل القديم عندما خرج منه يسوع حزيناً إذ أصبح مجرد حجارة ينبغي أن تُنقض ولا يبقى فيها حجر على حجر!! وكل العبادات والفرائض والأعياد باتت جوفاء لا قيمة لها رغم أنها نفس العبادات التي أوصى بها الله قديماً، لكن الخطأ ليس في العبادات، بل في فقدان الروح والمعنى والقيمة!! 

    وحزن الروح يكون تدريجياً في معظم الأحوال مما يصعب ملاحظته وسط ضجيج الحياة، ولا يفيق المرء إلا عندما يجد حياته الروحية وقد أصبحت مجرد ممارسات روتينية لا يجد فيها لذة ولا تضيف جديداً إلى قامته الروحية، بل قد تصل إلى كونها ثقلاً يمل حمله!! 

فراغ الكرازة

    بما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فان فاقد الشركة الحية مع الله لا يستطيع أن يقود الآخرين إلى شركة حية مع الله!! إذا كانت محبة الله قد أصبحت بالنسبة لي مجرد حقيقة باردة فكيف أقنع الآخرين بدفء هذه المحبة؟! فان أصبحت دماء المسيح مجرد حقيقة لاهوتية في ذهني فكيف أجعلها تغدو حقيقة عملية في صميم حياة الآخرين؟! وإذا كان الخلاص قد أصبح نظرية أؤمن بها رغم خلو حياتي من تأثيرها، فكيف يمكنني أن أجعل الخلاص قوة مجددة لحياة الآخرين؟! 

    عندما يحزن الروح داخلك فان الخدمة ـ لو استمرت ـ تصبح نشاطاً خالياً من الثمر، أقوال خالية من المفعول، وفى أفضل الأحوال قد تستطيع أن تستثير مشاعر الناس لكنك لن تستطيع تجديدهم، وقد تجعلهم يحبونك لكنك لن تجعلهم يحبون الله!! 

السقوط أمام الأعداء

    لا يستطيع إنسان أن يثبت أمام مثلث الشر ـ إبليس والعالم والجسد ـ إلا بقوة وحكمة الروح القدس ، وإن حزن الروح فان المؤمن يجد نفسه ضعيفاً أمام كل روح ردئ ، ومعرضاً لكل قوة غاشمة تنبع من داخله أو تأتيه من العالم الخارجي ، والأمور التي كانت تبدو له صغيرة في الماضي أصبحت جبالا يصعب تخطيها ، والخطايا التي ظن أنها باتت غير موجودة تهاجمه بضراوة ، ويصبح نفسا هزيلة يمكن خداعها بسهوله ويغدو سقوطها أكيدا ، وهكذا تصبح الحياة سلسلة من السقوط والقيام وأحيانا من السقوط والسقوط !!                                           

فقدان الدافع للتضحية

     فيما مضى كان هناك دافع قوى للتضحية بالوقت والمال والصحة من أجل الله وخدمته، أما في زمن حزن الروح فالمرء يفقد الدافع للبذل ويشعر أنه لا يوجد ما يستحق التضحية، وتبدأ النفس تبخل بالعطاء إلا إذا كان هناك مقابل منظور ، بل أنها تندم على ما بذلت من وقت ومال واحترام الناس ، ولا تعود تقدم إلا من فضلاتها  بعدما كانت تقدم من أعوزاها !!        

الانحراف عن التعليم الصحيح

إذا بلغ حزن الروح إلى انطفاء الروح فعندئذ يبدأ الذهن يحتل مركز القيادة في حياة الإنسان، وما أخطر أن يخضع الإنسان لقيادة ذهن غير خاضع للروح القدس!! لأن الذهن البشرى يميل بطبعه إلى الابتعاد عن فكر الله، وهذا هو منشأ كل التعاليم الغربية والممارسات الجسدية والهرطقات اللاهوتية التي أصابت المسيحية في كل عصورها، إنها نتائج الفكر " البَرى " غير المروض وغير الخاضع للروح القدس.

إن الفكر البشرى يميل إلى وضع قوانين ونظم للحياة والعبادة ولا يفهم كيفية السلوك بالروح، وهو يرتاح إلى روتينية حياته وينزعج ما يسمى بإرشاد الروح!! حقا أنها نهاية بشعة يتردى إليها الإنسان مبتعدا عن الله، وقد بدأت فيه حين حزن الروح داخله، إن أي ثعلب صغير نتركه داخلنا يستطيع أن يفسد كلها!! (يتبع).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق