الخميس، 2 يونيو 2022

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس ( 9 )

بقلم فخري كرم

    قد يسحب الروح القدس مؤثراته لكي يعطي الفرصه للإرادة الحره لكي تتخذ قرارها بدون ضغط من أي مؤثر خارجي حتى و لو كان روحيا !! أو بعباره أخرى نقول أن الروح ينير أمامنا الطريق التي ينبغي أن نسلك فيها لكنه لن يجبرنا على السير فيها .

      لكن أحيانا يسحب الروح القدس مؤثراته من أجل : 

فضح الخطية وادانتها

قد يتخطى الله ضعفنا لفترة زمنية معينة ويتعامل معنا في نعمته التي تبدو أنها تغض الطرف أحيانا عن الخطية ، لكنها في الحقيقة تريد أن ترفع الخاطئ فوق خطيته بالمعروف والإحسان وليس بالتأديب والعقاب . لكن إذا أستمر الإنسان الخطية وظن أن استمرار حضور الروح ومعاملاته يعنى أن الله يتجاهل الخطية ولا يدينها ، عندئذ ينبغي أن يسحب الروح مؤثراته لكي يفضح الخطية المستترة تحت عباءة النعمة الفضفاضة ويدينها ، فالمحبة تستر كثرة من الخطايا متى تبنا عنها ، لكنها لا تتستر على خطية واحدة لم نتب عنها !! 

انظر مثلا إلى شمشون ، لقد عاش فترة طويلة تحت تأثير قدرة الله ، وأثناء تلك الفترة نستطيع أن نرى ضعفات متكررة وميلاً قلبياً غير مستقيم نحو الخطية والشهوة . لكننا نندهش عندما نجد الله يتخطى هذا الضعف بدون إدانة ، ليس لأنه لا يراه بل لأنه يريد أن يرفع النفس فوق الضعف بمزيد من النعمة !! ولهذا تزيد دهشتنا عندما نجد الله يحول فترات الضعف والزيغان إلى أوقات النصرة والاقتدار !! هل يتجاهل الله الخطية ؟ ألا يبالى بزيغان القلب ؟ حاشا وكلا ، إن الله يبغض الخطية دائما لكنه يستخدم النعمة قبل النقمة ، إنه يريد أن ينتبه شمشون ويخجل من احسانات الله حتى وهو في وسط  الحمأة ، وفعلا ، كان شمشون في كل مرة ينتفض وينتبه لنفسه ويقوم ويخرج من وسط الشباك المنصوبة للإيقاع به . 

لكن عندما تزايد الميل للخطية والتجاوب معها حتى وصل إلى انتهاك المنطقة المقدسة التي تمثل حضور الله بالنسبة له كنذير ، وفى ساعة سوداء مظلمة اختار حضن دليلة واستهان بقدوس إسرائيل ، عندئذ فارقه الله !! لأن استمرار حضور الله بعد هذه اللحظة سيتحول إلى تستر على الخطية وتشجيع على مواصلة الاستهانة بالمقدسات ، وعندما انتفض شمشون هذه المرة كان الوقت قد فات !! لقد أصبح الوقت الآن وقتا لفضح الخطية وادانتها وليس وقتا للنعمة المتفاضلة . وكان لابد شمشون الذي رأى أحسان الله مرارا كثيرة أن يرى قداسته التي تبغض للخطية وتدينها بعنف ، فكما أن الله مقتدر فى نعمته حتى أنه يتخطي الإنسان كثيرا ، هكذا أيضا هو مقتدر في نقمته أنه يستوفى الفلس الأخير إذا لم نتب !! 

وأيضا قد يسحب الروح مؤثراته لكي : 

يحفظنا متضعيـــن

أحيانا ، وبعد وجودنا لفترة طويلة في زمن نعمة ، نشعر أن هذا هو وضعنا الطبيعي المستحق ، وأنه بقوتنا استطعنا أن نعيش في هذه النعمة ، وسرعان ما ننسى أصلنا والظلمة التي أتينا منها ، ويفقد القلب شيئاً فشيئاً رقته وترفقه بالضعفاء ويرتفع رويداً رويداً ويصبح دياناً للإخوة ، ناقداً للخدام ، مرتفعاً عن مشاركة الآخرين آلامهم ، والأدهى أن هذا القلب المرتفع يبدأ يظهر في العلاقة مع الله ، فنتفقد الصلاة روح الانكسار التي كانت تميزها في بداية عهد النعمة ، وتفتر روح اللجاجة وتنعدم . 

عندئذ يسحب الروح مؤثراته لكي يذكّر المؤمن بماضية ويحفظه متضعا لين القلب ، شاعرا بكل أخ ضعيف متعثر ، وقريباً من كل ضال يبحث عن طريقه . وهكذا ما كرره الله كثيراً مع شعب إسرائيل ، في كل مرة كانوا ينتفخون بأنفسهم وينسون ماضيهم كانوا ينكسرون ، وعندما يسلكون باتضاع مع إلههم ينتصرون . والواقع أن القلب المتضع هو الذى يدفع صاحبه لطلب : 

التقدم نحو الأفضل

قد يتعجب المؤمن ويجاهد حتى يصل إلى مستوى معين في الحياة الروحية ثم يكتفي به ويركن إلى الراحة والتغني بأمجاد الماضي ، حينئذ يبدأ الروح القدس يهز العش ويسحب بعض مؤثراته لكي يدفع المؤمن مرة أخرى إلى حياة الصوم والصلاة والتضرع وطلب المزيد من التقدم نحو الأفضل . 

وهكذا نكون قد تكلمنا باستفاضة عن مؤثرات الروح  - له المجد  - وشرحنا ماهيتها وأهداف وجودها وأسباب زوالها ، وليعطنا إلهنا النعمة حتى نتعلم كيف نتجاوب مع معاملاته ونقتنص فرص نعمته آمين ( يتبع ) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق