الاثنين، 30 مايو 2022

أحاديث من القلب

 

عن الروح القدس ( 8 )

بقلم : فخرى كرم

    يؤثر الروح القدس على النفس بمؤثراته الروحية السامية ، وتعيش النفس تحت هذه المؤثرات فترة زمنية مباركة تحلق فيها في أجواء السماويات ،  حيث تستشعر كل برکات الله في متناول اليد ، وحيث  تسمو فوق کل منطور حتى تصير التضحية بأي شیء أمراً میسوراً .  ولكن ــ  فجأة أو تدريجيا  ــ  تبدأ هذه المؤثرات تخبو وتتسرب من بين أيدينا ،  و تعود النفس الى حدودها الطبيعية مرة اخرى كما لو أنها حطت على ارض الواقع بعد طول تحليق ،  وتبدأ تستشعر كل الضغوط والمقاومات الخارجية والداخلية مرة اخرى ،  وتری أمور الله بعيدة صعبة المنال ، والسير في طريقه مكلفاً مضنياً . وهذا قد يجعلها تشك في أن هذه المؤثرات كانت مجرد أوهام  نفسيه ، وإذا استسلمت للشك  استسلمت للضعف والسقوط ، وفقدت كل شيء جميل وخيم عليها ضباب الضعف وظلمة الشك وليل الشكاية والتذمر.

       والحقيقة هي ان الروح يسحب تأثيراته لعدة أسباب ان فهمناها استطعنا أن نجتاز تلك المرحله الموحشه بنجاح ،  وجعلنا وادى البكاء ينبوعا !! إن الروح يسحب تأثيراته أولا لكي  :

يعطي الفرصة للارادة الحرة

     الله لا يريد إلا الذبيحة المقدمة بكامل الارادة ، والارادة الكاملة هي الارادة التي تتخذ قرارها في أرض الواقع وهي شاعره بكل المؤثرات المختلفة ومدركة للمغريات والواقع ، للمكاسب و الخسائر ، إنها الارادة التي تتخذ قرارها بعد حساب النفقة ، إنها الارادة التي ترى جيدا كل الطرق المتاحة ومع ذلك تختار السير في طريق الله ، إنها إرادة حرة تتخذ قرارها بدون الاندفاع بمؤثر ما  ، حتى لو كان مؤثرا روحيا !!

     عندما تكون النفس تحت سلطان الروح تری أمور الله بصورة ممجدة تدفعها لاتخاذ قرارات سريعة ، لكن هذه القرارات لا يعتد بها لأنها ليست ناشئة عن إرادة حرة بل عن مؤثر روحي طاغ ، ولذلك يسحب الروح تأثيراته ـــ بعدما يكشف للنفس امجاد الله ـــ   ويترك النفس ترى الطرق الأخرى ومغرياتها ، وتشعر بالتضحيات الموجودة في الطريق الكرب ، ويترك عندئذ الفرصة للإرادة لكي تختار طريقها . إنه إله عادل لا يريد أن يؤثر على حريتنا في اتخاذ قرارنا .

      إن الله لا يعتد بالتوبة الناشئة عن سطوة التبكيت الالهي ، لكنه يعتد  بالتوبه الناشئه عن إرادة أدركت شناعة خطيتها و قررت أن ترفض الخطية و تعترف بها و تتركها . لقد قلنا سابقا أن التبكيت الإلهي ضروري لكي تدرك النفس شناعة الخطية و قداسة الله  و لكن السؤال الآن هو : ماذا بعد زوال التبكيت !! هل ستستمر النفس منكسره  أمام الله طالبه الغفران و التطهير ؟ حينئذ يكون التبكيت قد أثمر " نفساً تائبة " . لكن في معظم الأحيان ، عندما يزول التبكيت ، تنهض النفس و تعاود سيرها في الطرق القديمة  ، و هذا يثبت أن التوبة الناشئة عن التبكيت الإلهي لم تكن توبة إرادية بل توبة مؤقتة ، و هذه  توبة لا يعتد بها و كأنها لم تكن !! و لا نقول أن التبكيت قد فشل في مهمته ، حاشا بل نحن الفاشلون في اقتناص فرص  نعمة  الله و التجاوب معها !!

      وما نقوله عن التبكيت نقوله عن كل المؤثرات الأخرى للروح ، كم من نفوس اتخذت قرارها بالتكريس لله في مناخ روحي قوي ، ثم تراجعت عن هذا القرار حين اصبحت في مناخ آخر ، وكم من خدمات ناجحة قدمت تحت تأثير الروح لم يكن لها هدف سوى مجد الله وخير النفوس ، و عندما زالت المؤثرات وجدنا الخادم يهتم بنفسه ومجده وخيره الشخصي ، انظر الى بلعام بن بعور وهو ساقط أمام الله علي مشارف خيام شعب اسرائيل ، كم من نبوات عظيمة خرجت من شفتيه وكم من رؤی رآها وهو مفتوع العينين !! لكن هل تريد أن تعرف بلعام على حقيقته !! انظر اليه بعدما فارقه الله ، ستجده يعلم بالاق أن يلقي معثرة امام بني اسرائیل لکی يأکلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا !! ( عدد 22 ــ 24 ، رؤ 2 : 14 ) .

       و هل رأيت شاول بن قيس و هو يتنبأ  في وسط الأنبياء بعدما حل عليه الروح ، حتى صار مثلاً : أشاول أيضا بين الأنبياء ! لا تنخدع بهذه الصورة ان شاول الحقيقي سیظهر بعد زوال موثرات نعمة الله ، وعندئذ سيقول الله لصموئیل " ندمت على اني قد جعلت شاول ملكاً لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي " ( 1 صم 10 : 11 ، 15 : 11 ) .

    وماذا نقول  عن يهوذا الإسخريوطي الذي عاش ثلاث سنوات كاملة تحت أعظم المؤثرات الروحية قاطبة ، تحت ظل الرب يسوع نفسه وهو يجول يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس ؟ لا تنظر اليه وهو يشارك في أعمال الخير والشفاء باسم الرب  ، ان اتجاه الارادة الحقيقي سيظهر بعد زوال هذه المؤثرات ، ونراه قادرا على بيع سيده بثلاثين من الفضة !! و مره أخرى نقول  أن نعمة الله لم تفشل لكننا نحن الفاشلون في التجاوب معها .

وهكذا يسحب الله تأثيراته الروحية لکي يعطى لارادة الإنسان الفرصة لتتخذ قرارها بحرية ، وطوبي للنفس التي تختار الله دائما ، ولا ترضی عنه بديلا .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق