الأربعاء، 11 مايو 2022

أحاديث من القلب

 عن الروح القدس (3)

بقلم: فخري كرم


حزن الروح (أف 4 :30)

بادئ ذي بدء نقول إن لفظة " حزن " الروح تنفى إن الروح هو مجرد قوة أو تأثير أو إرشاد فهذه كلها تأثيرات لا يمكن أن تحزن!! وهي في نفس الوقت تعنى أن الروح هو شخص رقيق الإحساس يحزنه ألا يتجاوب الإنسان مع تعاملاته التي تهدف لخيره وبركته. 

    لقد أتى الروح إلى الأرض لكي يمجد الرب يسوع المسيح ويذكّرنا بكل ما قاله، ويملأ حياتنا بثمار فداء الصليب، ولكي يتمم هذه الأهداف يحتاج أن نعطيه الفرصة والوقت اللازمين لذلك، بأن نسلم له الذهن كي يملأه بفكر الله ولا نعود نتشبث بأفكارنا البشرية الباليه. وان نسلّم لمن له زمام الحياة كي يخططها كيفما شاء ولا نعكف على السير في الطرق التي نراها ممهدة أمام عيوننا القاصرة. وان نعطيه مشاعرنا لكي يشكل فينا كيانا يمجد الله في كل نبضات قلبه، كيان يبغض الخطية ويحب البر، ويميت فينا كل الأحاسيس التي تنتمي لعالم البغضة والحسد والشهوة. وانه يريد أن نمكث وقتا كافيا أمام الكلمة المقدسة لكي يستطيع أن ينقل روحها وحياتها إلى داخل قلوبنا. ويريد أن نعطيه الخضوع الكامل حين يبكتنا على أية خطيه، فنقدم توبة صادقه ونتنظر أمامه حتى يطلقنا بسلام الغفران والتطهير، ولكن.. إذا تشبثنا بأفكارنا القديمة واصررنا على السير في طرقنا البشرية التي نعتقد بصحتها، وعندما يأمرنا الروح بشيء لا يتفق مع إرادتنا نتجاهله أو نحاول تعديله ليلائم فكر الإنسان لكيلا نخسر احترام الناس ولا نعرض أنفسنا للألم، فعندئذ يحزن الروح. 

وعندما نترك أحاسيسنا " البرية " تنمو بداخلنا دون أن نحكم عليها في ضوء الروح، ونترك القلب مرتعا لمحبة العالم والعين الشريرة والحقد والتعصب والكبرياء والشهوة، ونحاول إن نسمى هذه الخطايا أسماء جميلة فنطلق على محبة العالم " ضرورات اجتماعيه " وندعو التعصب " التمسك بالحق " والعين الشريرة نسميها " فطنة وذكاء " … وعندما يحاول الروح القدس اقتحام كل هذه المشاعر ويستبدلها بمشاعر جديدة مسالمة وديعة طاهرة ولا يستطيع، فعندئذ يحزن الروح. 

    عندما لا نصرف وقتا كافيا كل يوم أمام الكلمة المقدسة كتلاميذ منتظمين في مدرسة الله، ونسمح لهموم الحياة أن تسرق الوقت والاهتمام، حتى في الوقت القليل الذي نقرأ فيه الكتاب المقدس يكون الذهن مجهدا والروح منطفئة والقلب مهموما، فلا يجد الروح فرصته ليستخرج كنوز الكلمة ويضعها في حياتنا، عندئذ أيضا يحزن الروح. 

    وبالإجمال نقول إن الروح لن يتحرك في داخلنا إلا في الحدود التي نسمح له بها!! إذا كان التسليم ناقصا والإرادة عاصية والوقت قصيرا. عندئذ تكون فرصة عمل الروح فينا ضيقة ومحدودة، رغم إن مشيئة الله هي أن يعمل الروح فينا في كل لحظة، وهذه المحدودية في تعامل الروح نسميها " إحزان الروح " الذي باستمراره يؤدى إلى " إطفاء الروح “!! 


إطفاء الروح (1 تس 5 :19)

إذا سمحنا لفكر العالم أن يسيطر على أذهاننا، وأهملنا معاملات الروح مرة تلو الأخرى، يأتي وقت يكف الروح عن العمل بداخلنا ويسلمنا إلى فكر قلوبنا لنفعل مشيئات الجسد والأفكار، ونسير بمرأى أعيننا. 

ووقتها يشعر المرء إن الأمور أصبحت على ما يرام!! فهو لم يعد يشعر بتبكيت ومعاناة عند كل خطوة كما كان يحدث سابقا، وبات يتمتع بسلام كاذب هو في الحقيقة تبلد للضمير وانطفاء للروح!! وعندئذ يبدأ الذهن البشرى يحتل مكان القيادة بدلا من الروح ليقود الإنسان بعيدا عن مشيئة الله. وقد لا تتوقف الحياة الروحية الظاهرة لهذا الشخص بل قد يزداد إنتاجه ونشاطه لكن للأسف جاف وخال من لمسة الروح المحيية. 

    إن الكثيرين جدا في كنائسنا وجمعياتنا يفتقدون فرحة الخلاص الأولى ويتذكرون بالأسى أياما كان فيها الروح عاملا في حياتهم مرشدا ومعزيا ومطهرا، ولكنهم أصبحوا الآن مكتفين بالنذر الضئيل من لمسات الروح كل حين وآخر، أنهم لا يعلمون أن الروح حزين فيهم ولابد لهذه المشكلة من حل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق