الثلاثاء، 3 مايو 2022

أحاديث من القلب

 دى آخرة مقالة للأخ : فخرى كرم ...كتبها قبل انتقاله مباشرة  برسالة الخلاص

موعظة الجبل (60)

بقلم : فخرى كرم

 

«فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم» (مت7: 12)

هذا القانون الذهبي للتعامل يفترض في أساسه أن يحب الإنسان قريبه مثلما يحب نفسه، ويعامله كما يحب أن يُعامل هو شخصياً، وكلمات هذا القانون رغم بساطتها ووضوحها إلا أنها تبدو صعبة جداً في تنفيذها إن لم تكن مستحيلة، والسبب ببساطة هو التشوه الذي أصاب طبيعتنا بعد السقوط.

 عندما خلق الله آدم كان من المفترض أن يعيش آدم في شركة مع الله، يرى الأمور بعيني الله ويحكم فيها بعدله ويصنع فيها مشيئته، لو استمر آدم في هذا الوضع كان سيرى نفسه وكل الخليقة المحيطة مشمولين بنفس المحبة الإلهية بلا تفرقة، وبالتالي كان سيحب نفسه والآخرين بنفس المحبة، بل سيحب الخليقة غير العاقلة أيضاً بنفس المحبة، كان سيحب للآخر ما يحبه لنفسه ويتعامل معه بما يريد أن يُعامل به، كان سيرى أن عطاء الله للآخر لا ينتقص من عطاء الله له شيئاً، وبالتالي لن تتولد في داخله أية مشاعر سلبية حين يرى الآخرين ينعمون ببركات إلههم التي ينعم هو أيضاً بها بلا تفرقة.

لكن بعد سقوط الإنسان وخروجه من محضر الله لم يعد يرى الأمور بحسب عيني الله، تحول مركز الرؤية عنده من الله إلى ذاته، أصبح يرى كل الأشياء بالقياس إلى ذاته وبالعلاقة مع نفسه، الذات أصبحت إلهه الحقيقي ومصدر تقييمه لكل الأمور والأشخاص من حوله، أصبح الإنسان يحب ذاته أكثر من أي شيء أو شخص آخر، ويحب أن تكون ذاته في مكان أفضل وأعلى من أي شيء أو شخص آخر، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يحب للآخرين ما يحبه لنفسه، لأنه ببساطة أصبح يحب نفسه أكثر من كل الآخرين!!

في داخل كلٌ منا ذات تحسب أن من حقها الحصول على كل شيء، ولذلك هي لا تعرف روح الشكر الحقيقي إذا حصلت على أي شيء لأنها تعتبره حقاً مشروعاً، وفي المقابل تشعر بالغيرة الشديدة إذا أخذ الآخرون أي شيء لأنها تعتبر أن كل ما يحصل عليه الآخرون هو انتقاص من حقها!! ذواتنا تقضي حياتها كلها تحاول أن تجمع وتضم إلى نفسها كل الأشياء والأشخاص المحيطة بها، حتى الأشخاص تعتبرهم ملكية خاصة لها ينبغي أن يعملوا لراحتها ومجدها!! بل الأدهى أنها إذا دخلت إلى المجال الكنسي تتعامل مع الله نفسه باعتباره إضافة لتحقيق إرادتها، ونراها تثور وتنزعج إذا لم يستجب الله لإرادتها ولم يحقق لها مشيئتها، في داخل كنائسنا لم نعد نرى مؤمنين يدورون في دائرة مركزها الله بل أصبحنا نرى مؤمنين يحاولون أن يجعلوا الله يدور في دائرة مركزها ذواتهم!!

لهذا السبب لم يستطع الإنسان أن يحفظ وصايا الناموس رغم صرامتها والزاميتها، ولنفس السبب لا نستطيع نحن أن نحفظ قانون الرب الذهبي للمعاملات رغم وضوحه وبساطته، إننا لا نستطيع أن نعامل الآخرين بما نريد أن نُعامل به لأننا نريد أن نُعامل بأفضل مما يُعامل به الآخرين وأن نحقق ما لا يحققه الآخرون، نحن نشعر أننا نقف في مكان أعلى من الآخرين ومن حقنا أن ننال مجداً لا يناله الآخرون!!

الحق هو أننا نحتاج أن نتحرر من عبودية ذواتنا ونعود لندور في دائرة مركزها الله وليس الذات، نحتاج أن نرى أنفسنا والآخرين بعيني الله الذي يرى الكل بنفس المحبة والعطاء، عندئذ فقط سنستطيع أن ننظر للآخرين كما ننظر لأنفسنا ونتمنى لهم ما نتمناه لأنفسنا، وهذا الموضوع هو ما يُكمل به الرب حديثه في موعظة الجبل، ولكن لهذا حديث آخر (يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق