عن الروح القدس (6)
بقلم : فخرى كرم
دعونا الآن نضع جانبا موضوع حزن الروح الذي تحدثنا
عنه ونسأل : ماذا لو كان الروح حراً
نشيطاً في حياتنا ؟ الجواب : عندئذ سنعيش معه في ثلاث دوائر روحية متداخلة ،
سنتحدث عنها الآن اجمالا ثم نشرحها تفصيلا فيما بعد :
دائرة مؤثرات الروح
عندما يكون الروح عاملا في داخل النفس فانه
يؤثر عليها بمؤثراته المباركة التي تصور مشيئة الله تجاه هذه النفس . فهو بقوته الالهية وحكمته يبدأ في صياغة النفس لتكون في الصورة
التي يريد الله أن يراها عليها دائما . فتجد النفس واذ بها قد اصبحت ممتلئة اتضاعا
و انكساراً ، و استعداداً للتوبة ، وانتصاراً على الخطية .. الخ ، ولكن إلى ان تتجاوب
النفس مع هذه المؤثرات فانها ستبقى مجرد مؤثرات وليست صفات !!
من الضروري أن نعلم أنها مؤثرات الروح وليست
امكانيات النفس . فعندما ترى النفس وقد اصبحت منكسرة فجأة فلا تظن أنها صفة ثابتة في
هذه النفس ، کلا ، أنه مجرد مؤثر روحی يفرض نفسه بسلطان الروح على هذه النفس . هل هناك
فرق ؟ طبعا ، ، فإن حزن الروح في هذه النفس وسحب تأثيره هذا ،
فستجد أن صفة الانكسار تختفي تدريجيا وتعود النفس الى سابق عهدها بالعجرفة والعناد
!!
نفس أخرى تخضع لروح الله فتمتلىء بمحبة فائضة
تملأ كل الكيان ، محبة لله وللآخرين ، للاخوة والاصدقاء و الأعداء وحتى للحيوانات والطيور
!! لكن عندما يسحب الروح تأثير المحبة هذا ستجد ان المحبة تضمحل ، وتعود النفس الأنانية
تظهر من جديد ، لأنها لم تكن محبة ذاتيه أصيله بل خارجية مكتسبه .
نفس تعيش في نور الروح القدس ، تجدها ممتلئة
بالقداسه و بغضة الخطيه ، لكن عندما يزول
هذا المؤثر ــ لأسباب كثره سنتحدث عنها لاحقاً
ــ تبدأ النفس تضعف و تهتز
أمام هجوم الخطيه . بل إن الأدهى هو أنك تكتشف خطايا و ميولا شريره تنبع من أعماق النفس
ذاتها ، مما يؤكد أن قداستها لم تكن صفه ثابته بل مؤثرا مؤقتاً .
لكن هل هذا وضع طبيعي سيستمر طول الحياة
؟ كلا بكل تأكيد ، إن دائرة مؤثرات الروح ينبغي أن تقودنا للحياة في دائرة
روحية أخرى أكثر عمقا وثأثيرا وهی ما نسميها :
دائرة ثمار الروح
عندما يؤثر الروح القدس على النفس بمؤثر معين
، ينبغي أن تتجاوب النفس مع هذا المؤثر وتخضع له ، وتبدأ في اتخاذ قرارات ارادية ثابتة
وخطوات عملية حقيقية تجاه هذا المؤثر ، لكي يتحول الى وضع شخصی عملی ، و يثمر صفة ثابتة
في النفس ، وهذا ما نسميه " ثمار الروح "
لنأخذ العبادة مثلا . عندما يؤثر الروح
القدس على نفس ما بمحبة الله والرغبة في التواجد بمحضره ، تمتليء النفس عندند بروح
التسبيح و العبادة وتحب التواجد في خلوة أمام الله ، ويكون هذا التواجد سهلا لان الروح
يجذبناً جذباً تجاه المخدع .لكن المحك الحقيقي يبدأ عندما يختفي هذا الموثر القوی
:
ان كانت النفس قد قررت أن تكون العبادة جزءاً
لا يتجزأ من برنامج يومها فانها تظل محتفظة بوقت العبادة حتى ولو لم يصبح الأمر بنفس
السهولة وستظل تجاهد لكي تحفظ لله حقه في الوقت ، وتظل تقدم سجوداً وخضوعاً مهما كانت
الظروف جافة وشاقة . عندئذ يرضي الله عن هذه النفس التي تجاوبت مع مؤثرات الروح تجاوبا
ليس مؤقتا سطحيا بل دائما عميقا ، ويؤيد الروح هذه النفس و يباركها ، وهكذا تكتسب النفس
ثمرا ثابتاً دائما حتى في زمن التجارب واختفاء المؤثرات الروحية ، يمكنـك
عندئذ أن تسميها " نفسا سـاجده " !!
لكن اذا بدأت النفس تتهاون في الشركة مع الله لأن المؤثر قد زال ، وتبدأ تستسلم
بسهولة للعوامل التي تدفعها إلى خارج المخدع ، فان هذا يبين أن النفس لم تتجاوب مع
مؤثرات الروح تجاوبا حقيقياً انما تجاوباً مؤقتاً سطحياً ، وقد فشلت في الإثمار للروح.
ان الغرض من مؤثرات الروح هو ان تتجاوب النفس
معها بالطاعة والارادة فتثمر ثمار الروح ، أی أن مؤثرات الروح هي اعمال الروح في داخل
النفس ، اما ثمر الروح فهو تجاوب النفس مع هذه المؤثرات .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق