سبعة أرواح الله ( 7 )
بقلم : فخرى كرم
لماذا اختار الروح هيئة الحمامة
ليحل بها على الرب في المعمودية؟ ما هي الصبغة التي كان مزمعاً أن يصبغ بها حياته
المباركة؟ ما هي الروح التي كانت ستسود خدمته العلانية له المجد ؟ ماذا يعني «روح الحمامة»؟
إنه أولا يعني:
روح الوداعة
«
ابتهجي جدا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور،
وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان » ( زك 9 : 9 )
قبل تجسد الرب بخمسمائة عام تنبأ زكريا عنه بأنه
سيكون وديعاً ، وفي ملء الزمان تحققت هذه النبوة وتجسدت روح الوداعة بالكامل في شخصه
الكريم، ألم نقل أنه وحده الذي امتلك سبعة أرواح الله وفيه اكتملت كل أعمال وصفات الروح!
وروح الوداعة روح كبيرة تشمل
الحياة كلها وتتحكم في كل تفاصيلها وتسرى في كل علاقاتها ومعاملاتها مع النفس ومع
الله ومع الآخرين، إنها ليست كما يعتقد البعض مرادفأ للاستكانة والضعف والخنوع
والمهادنة، بل هي روح قوية استطاعت عندما اكتملت في شخص الرب أن تقف أمام إبليس
وأرواحه الشريرة المسيطرة على الشعب وتهزمهم، ولذلك يقرن زكريا صفة الوداعة بصفة
الانتصار في نبوته، رغم أن الكثيرين لا يستطيعون أن يجمعوا في أذهانهم بين الصفتين
لأنهم تعلموا أن الوداعة تتناقض مع القوة والغلبة، مما دعا البعض إلى الاعتقاد بأن
النبوة ينبغي أن تنقسم إلى شقين: حيث كان الرب وديعاً فقط في مجيئه الأول وسيكون
منصوراً في مجيئه الثاني، لكننا لا نجد أي مانع في أن نؤمن بأن الرب كان منصوراً
في مجيئه الأول كما كان وديعاً، وسيكون وديعاً في مجيئه الثاني تماما كما سيكون
منصوراً ، كل ما يعوزنا هو فهم صحيح للوداعة لنعرف أنها لا تتعارض مع الانتصار، بل
كانت هي بعينها السلاح الذي انتزع به الرب الانتصار على جحافل الجحيم وأرواح
الخداع والخبث والقسوة والعنف والبطش والموت!!
ماهية الوداعة
الوديع هو إنسان خائف الله، وخوف
الله يدفعه إلى أن يعطي كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان:
1-
إنه يعرف
حق الله ويخضع له، فهو لا يدين أحداً لأنه يعرف أن الله هو وحده «الديان » لذلك فهو يخضع لحق الله هذا ولا يحاول أن يأخذه لنفسه،
وهو يخضع برضا لكل ما يسمح به الله من ظروف لأنه يعلم أن الرب هو «السيد» الذي من
حقه وحده أن يقود الحياة كيفما شاء، وهو لا يرتفع فوق أحد لأنه يعرف أن الرب هو
وحده المرتفع «رأسا » ، فوق الجميع وهو لا يجرؤ أن يسلب الرب حقه، وهو لا يجذب
إليه أحدا لأنه يعرف أن الرب هو وحده «العريس» الذي ينبغي أن تنجذب إليه كل
القلوب... إلخ.
2-
إنه يعرف
حق نفسه ولا يزيد عليه، إنه يقبل دائما الحق من جهة نفسه مهما كان هذا الحق مؤلماً
للنفس، إنه يعرف قدر نفسه كما يراها الله لذلك فهو لا يعطيها مجداً ليس لها ولا
يحتل مكانة لا يستحقها ، يعرف حدود وجوده ولا يسعى لفرض وجوده على حساب وجود
الآخرين، إنه يعيش حقيقة نفسه أمام الله والناس بتلقائية وبدون افتعال.
3-
إنه يعرف
حق الآخرين ويمنحهم إياه ، لا يفرض فكره واعتقاده عليهم لأنه يحترم حقهم في حرية
التفكير والاعتقاد، يعطيهم دائما حقهم في حرية التعبير عما في أنفسهم حتى لو كان
ما في أنفسهم مضاداً له شخصياً !! نظرته ليست جارحة أو مقتحمة بل مملوءة عطفاً
وتقديراً مما يشجع النفس التي أمامه على إخراج مكنو0نات قلبها والتعبير عن نفسها بحرية،
إنه يحب الخير للجميع ويتمنى لهم النجاح حتى ولو صاروا أفضل منه!! في أحيان كثيرة
يتراجع لكي يمنحك فرصة للتقدم، ويكف عن التعبير عن نفسه لتجد لنفسك مساحة للتعبير
عن نفسك!! إنه دائما يفرح بالحق ولا يفرح بالإثم، صانع سلام دائما وبمحبته يستر
كثرة من خطايا.
الوداعة والتواضع
يقترن في الكتاب دائماً التواضع
مع الوداعة، والحق إنهما وجهان لعملة واحدة، وإن كان التواضع يشير بالأكثر إلى
موقف الإنسان تجاه نفسه بينما تشير الوداعة في الأغلب إلى موقف الإنسان تجاه الله
والآخرين، فإن كان التواضع هو حفظ الإنسان نفسه في حجمها الحقيقي دون زيادة
فالوداعة هي إعطاء الآخرين حقهم دون نقصان، فالمتواضع هو من لا يمنح نفسه ما ليس
لها بالحق والوديع هو من لا يأخذ من الآخرين ما لهم بالحق.
على كل حال فهذه كلها تعريفات
نظرية لا تشبع أرواحنا ولا نستطيع أن نكتفي بها، لكن دعونا نحتفظ بها في أذهاننا
ونحن نتبع خطوات الرب في حياته العملية لكي نتعلم منه عملياً ماهية روح الوداعة
ومدى قوتها ونجاحها في تتميم مشيئة الله، لعلنا نستطيع أن نتعلم منه كيف نكون
ودعاء ومتواضعي القلب، وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق