الجمعة، 26 أغسطس 2022

أحاديث من القلب

 

 

سبعة أرواح الله ( 10 )

بقلم : فخرى كرم

« ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس » ( مت 4 :۱)

ملأ روح الوداعة شخص الرب يسوع له المجد، وقاده لحياة الخضوع الكامل لمشيئة الآب حتى في أدق التفاصيل، وهذا الأمر كان مضاداً للروح الذي في العالم، أي روح إبليس، روح التمرد والاستقلالية عن الله، ولقد حارب إبليس بكل شراسة دخول السيد إلى العالم منذ ولادته، وعندما بدأ الرب خدمته العلانية صارت الحرب أيضا أكثر علانية وشراسة، مستخدما كل أساليب الخداع والعنف ومستغلا كل الأدوات البشرية المتاحة له.

ولكن روح الوداعة كما قلنا ليس روحا ضعيفة أو هينة، بل هو روح منصور، قادر على مواجهة روح إبليس التي في العالم والانتصار عليها ، بل العجيب أن روح الوداعة لم ينتظر الحرب ليقاومها بل هو الذي بدأها وخطا نحوها، فأول شيء فعله روح «الحمامة» بعد حلوله على الرب في المعمودية هو أنه قاده إلى البرية لكي يجرب من إبليس !! أي إن الروح هو الذي سعى إلى المواجهة مع إبليس في البرية أي في عقر داره ومكان راحتــه (مت 12 : 43 ) إن روح الله لا يتحرك أبدأ برد الفعل بل دائما يكون هو الفاعل، حتى في الحرب مع إبليس.

الوداعة.. اتجاه إبليس !!

إذا كانت الوداعة هي إعطاء كل ذي حق حقه، فإننا نرى هنا جانبا آخر من وداعة الرب، أي اتجاه إبليس !! لقد أعطى الرب لإبليس حق التجربة باعتباره - حتى هذه اللحظة - رئيسا للعالم!! والروح الذي أعطى للآب حقه الكامل في السيادة على حياة يسوع أعطى لإبليس حقه الكامل في مقاومة ورفض حياة يسوع!! بل إنه لم يشأ أن يعطى للرب فرصة خدمته العلانية إلا بعد أن يعطى لإبليس فرصة مقاومته العلانية!! أربعون يوما كاملة في البرية كانت فرصة إبليس لإكمال كل تجربة (لو 4 : 13 ) وغني عن البيان أن إبليس ما كان يستطيع أن يجرب الرب ما لم يكن الرب هو الذي أعطاه هذا الحق، كم أنت عجيب و قادر  يا سيدي في وداعتك!!

الخضوع الحقيقي : في الخفاء

لم تكن وداعة الرب تجاه أبيه وخضوعه الكامل لإرادته من قبيل الشعارات الرنانة أو الخطب الجوفاء، لم يكن تكريسه من ذلك النوع السطحي الذي ننادي به على المنابر ونتشدق به تحت وطأة المشاعر الملتهبة، بل كان من ذلك النوع السري العميق الذي يظهر ويتجلى تحت الضغط وأمام المقاومة،

فهناك - في البرية - حيث لا يراه أحد إلا الآب، عبر الرب عن خضوعه الكامل لمشيئة أبيه، من كان هناك ليراه ويشيد به ويجازيه؟ لا أحد، لأنه لا يفعل أي شيء لاكتساب رضا الإنسان بل كل ما يدور في أحشائه هدفه إرضاء الآب وحده .

الخضوع الحقيقي : تحت الضغط

بعد صوم لمدة أربعين يوما جاع الرب أخيراً ، ونال منه التعب كل منال، وخارت قوى جسده جميعا، وفي مثل هذه اللحظات تكون قدرة الإنسان على المقاومة شبه منعدمة، فغريزة الجوع في الإنسان هي أقوى الغرائز جميعا، وفي هياجها تدفع الإنسان لفعل أي شيء ليسد رمقه، وإبليس الماكر ينتقى مثل هذه اللحظات ليوجه سهامه الملتهبة، عالما أنها بلاشك ستصيب هدفها، وهكذا انقض على الرب ليعزف على وتر احتياجه الغريزي للطعام، وكان يخفى السم في العسل كدأبه دائما ، فالغرض الحقيقي لم يكن إشباع جوع الرب بل دفعه إلى عمل لم يطلبه منه الآب، وهكذا ينكسر قانون الخضوع لله الذي يجعله لا يفعل إلا ما يطلبه الآب، لقد ظن إبليس أن الرب تحت ضغط الاحتياج سيمد يده لفعل ما تمليه عليه الحية القديمة، وكم تحت إلحاح الحاجة ومطلب الغريزة فقد الإنسان إيمانه ونسى تكريسه وكسر وعوده وحطم عهوده!!

ولكن هيهات! ! إن خضوع الرب لمشيئة أبيه ليس من هذا النوع السطحي الذي نراه فينا وحولنا، الخضوع المزيف الذي ينسحق سريعاً تحت الضغط ويتلاشى، بل كان خضوعا يقوي ويغلب تحت الضغط والمقاومة، فرأينا الرب وهو ضعيف في الجسد إلى الموت يقوي جدا في الروح ويجاهر أمام إبليس - ولدهشته الشديدة - أنه لا ينوي أن يفعل شيئا لم يطلبه منه الله، حتى لو كان هذا الشيء ضرورياً جدا للحياة!! ذلك لأن الحياة بالنسبة للرب لا تستمر بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله، إنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء إلا بكلمة تخرج من فم الله، حتى تناوله للخبز !! الروح الذي قاده إلى البرية وإلى الصوم لم يدبر له طعاما بعد، ولذلك فهو - في خضوع كامل لهذا الروح - يرفض أن يتدخل من نفسه ليفعل شيئا لم يدبره له الروح، ألم نقل أنه عبد يهوه الكامل الذي اكتمل به سرور الآب!!

آه ، كم نحتاج إلى روح الوداعة المنتصرة هذه !! فكثيرون منا مازالوا يعيشون بالخبز وحده ، وكثيرون يحيون لأيام كثيرة دون أن يسمعوا كلمة واحدة من فم الله!! كلمة الله لم تعد بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت كما كانت بالنسبة لسيدنا !! كم نحن في حاجة إلى الانكسار أمام الله ليسكب علينا روح عبد يهوه الكامل، روح المسيح له المجد ... وللحديث بقية.

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق