سبعة أرواح الله ( 9 )
بقلم : فخرى كرم
أتى يسوع إلى العالم ممتلئاً بروح الوداعة
التي تعطي الله حقه في السيادة المطلقة على الحياة ، واختار بإرادته أن يضع نفسه في
طاعة كاملة لله، وأن يحيا باختياره حياة العبودية المطلقة للأب، وأن ينجح فيما فشل
فيه آدم الأول عندما رفض الخضوع لسيادة الله على حياته فسقط تحت الموت وعبودية
إبليس وجر معه كل الجنس البشرى إلى الحمأة عينها.
سرور الآب : الهدف الأسمى
يخطىء من يظن أن فداء الإنسان كان
هو الهدف الأسمى الذي لأجله تجسد الرب وجاء إلي العالم، بل الحقيقة هي أن رضا الآب
وسروره ورجوع حقه في السيادة الكاملة على حياة الإنسان كان هو الهدف الأول
والأسمى، وما فداء الإنسان إلا نتيجة طبيعية لرضا الله عن حياة وذبيحة الابن
المبارك، فاكتمال سرور الأب بحياة يسوع الكاملة هو الذي منح لذبيحته قوتها
الكفارية والشفاعية لحساب الخطاة.
كل ذبائح العهد القديم كان المقصود
منها إرضاء الله بالتعبير عن مواقف الإنسان الصحيحة والمفترضة تجاه الله مثل
الاعتراف بالخطأ والتوبة عنه والخضوع لحكم الله ودينونته على الخطية، أو مثل
التكريس الكامل والشكر الدائم، لكن أيا من هذه الذبائح أو مقدميها لم تكتمل فيهم
هذه المعاني التي ظلت بعيدة عن حياة الإنسان العملية مما جعل الذبائح تفقد كل
قيمتها في نظر الله، لأن الله لم يرد الذبائح في حد ذاتها بل معانيها في الحياة
العملية، إنه يريد رحمة لا ذبيحه :
« لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقربانا لم ترد ولكن هيأت لي
جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر ، ثم قلت ها أنذا أجيء .. لأفعل مشيئتك يا
الله» (عب 10 : 5 ـ 7 )
ولأن إرادة الله وسروره لم يكتملا بنظام
الذبائح لذلك كان ينبغي أن يهيىء جسداً للابن المبارك يدخل به إلى العالم بمهمة محددة
ألا وهي أن يفعل مشيئة الآب، جسدأ تكتمل فيه كل معاني الطاعة والخضوع لإرادة الله،
جسدأ يحب مشيئة الله أكثر مما يحب الحياة نفسها، جسداً تتكسر عنده كل أمواج المقاومة
والتشكيك والترهيب والترغيب التي تمارسها الحية القديمة لكي تثنيه عن إتمام خضوعه للآب،
جسدا يجد فيه الآب راحته وسروره ورضاه، وأخيرا جسدأ ينشق كالحجاب لكي يأتي بأبناء كثيرين
إلى المجد!!
روح
الوداعة تشمل كل الحياة
ولم تكن إلا روح الوداعة هي القادرة
على تتميم هذا العمل الجليل، روح الوداعة التي شملت كل حياة الرب له المجد وأرجعت
من خلالها كل حقوق الله المغتصبة، وكانت سيادة الروح على حياة الرب سيادة كاملة
تصل إلى أدق التفاصيل وأعمق الخبايا ، مثل سكين الذبيحة التي كانت تصل إلى الأحشاء
كلها وتخرجها وتضعها على المذبح لتشتعل فيها النار المقدسة لإصعاد رائحة سرور أمام
الله.
بعض البشر استطاعوا أن يخضعوا لبعض
حقوق الله في بعض جوانب حياتهم، كل بحسب طاقته وبحسب معونة روح الله الذي كان يرف
دائما على وجه الأرض لا يجد لنفسه مستقرأ كاملا ، حتى جاء يسوع
ووجدت فيه الحمامة مستقراً أخيراً، لأنها وجدت إنسانا كاملا يريد أن يخضع كل الوقت
لكل حقوق الله في كل جوانب حياته!! فهو لم يشأ أن يسمع عن إرادة الله أو أن يتكلم
عنها أو حتى أن يعملها فحسب بل أن « يكون فيها» (لو2 : 49 ) أي أن تستأثر بكل حبه
وطاقته ووقته.
سرورالآب : قوة الذبيحة
وبعدما اكتمل سرور الأب من حياة
يسوع التي قدمت - بروح الوداعة - كل الحق والمجد لله،أصبح تقديم نفسه ذبيحه لأجل
الخطاة أمرأ مقبولا لدى الأب، أي إن قوة الذبيحة وتأثيرها لا يكمن في أحداث الصلب
ذاتها بل في رضا الله عن تلك الحياة المقدمة على مذبح الصليب، إبليس يريد أن يبعد
أنظارنا عن تلك الحياة الكاملة ونمعن النظر في بشاعة آلام الصليب كما لو أن قسوة
الأعداء وخيانة الأصدقاء وفظاعة الآلام هي التي أعطت لذبيحة المسيح قوتها وأبديتها
، ولكن الحقيقة ليست هكذا، فما هذه الأحداث إلا نتاج طبيعي لأرض الإنسان المملوءة
قسوة وحسد وحقداً ، ولا يستطيع هذا النتاج أن يضيف أي قيمة لتلك الذبيحة المباركة،
لأن كل قيمتها وقوتها تكمن في رضا الآب عن حياة الرب الكاملة، التي أشبعت قلب الأب
وأعطت للذبيحة تأثيرها الأبدي (يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق