سبعة أرواح الله ( 8 )
بقلم : فخرى كرم
التعريفات النظرية لا تستطيع أن تعطينا تصوراً كاملا لروح الوداعة،
لذلك دعونا نتتبع خطوات السيد في حياته العملية لنتعلم منه الوداعة بالحق، ولنكتشف
كيف أنها روح عظيمة مملوءة مجداً وانتصاراً ، وإذا كان للوداعة ثلاثة اتجاهات نحو
الله ونحو الذات ونحو الآخرين فدعونا نبدأ بالاتجاه الأول، أي وداعة المسيح في:
العلاقة مع الأب السماوي
خلق الإنسان الأول ليكون خاضعاً لسيادة الله، وكانت طاعته لمشيئة الله
هي هدفه الأسمى، وعبوديته لله هي جوهر وجوده وتاج رأسه. وسيادة الله ليست من قبيل حب
التسلط أو القسوة بل جوهرها هو الحب والعطاء، بل هي حق مطلق لله لأنه صانع الإنسان
والمالك الحقيقي لكل حياته، كما أنه الأعلم بما هو خير للإنسان وما هو شر، لذلك
فعبودية الإنسان لله هي من قبيل الثبات في الحق والوجود في المكان الصحيح.
لكن آدم فشل عند أول اختبار، ووجدناه يتمرد على إرادة الله الصالحة
ويرفض الخضوع لوصاياه، وبهذا خرج من نطاق الحياة إلى نطاق الموت، لأن وجود الإنسان
في نطاق الحياة مرتبط بوجوده في نطاق الخضوع لله، فخضوع الإنسان لله هو مصدر حياته
وضمان مستقبله.
وعندما كسر الإنسان الأول نير خضوعه لله لم يتمتع بالحرية كما أوهمته
الحية القديمة بمكرها ، بل وجد سادة آخرين ينقضون على حياته ويستعبدونه، فصار
الإنسان عبدا لإبليس وجنوده، وصار عبدا لذاته وشهواته الجامحة، وصار عبدا للخطية
(يو 8 : 34 ) بل صار الإنسان عبدا للإنسان، والتاريخ يشهد عن عصور طويلة تسلط فيها
الإنسان على أخيه الإنسان بقسوة وعنف وشراسة، فملوك الأمم يسودونهم والمتسلطون
عليهم يدعون محسنين (لو 22 : 25 ) وإذا كان الخضوع لله حق فالخضوع للإنسان ليس من
الحق في شيء بل جوهره الإدعاء الكاذب وحب السيطرة والقسوة، وإذا كان الخضوع لله
يحفظ للإنسان حريته ويقوده إلى ملء الحياة والبركة فالخضوع للإنسان - أي إنسان -
يسحق الشخصية ويذل الكرامة، لذلك فنير العبودية لله هين وحمله خفيف أما نير عبودية
الإنسان فقاس ينبغي كسره ، وهكذا رفض الإنسان سيادة الله على حياته ليصير عبدا لسادة
كثيرين ( إش 26 : 13 ) واستمر تكاثر الإنسان وكل جيل يسلم الجيل التالي ميراثا ثقيلا
من العبودية القاسية، الظاهر منها والمستتر، حتى قرر الله في مراحمه أن يكسر هذه
السلسلة الجهنمية:
عبد يهوه الكامل
« الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه
أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس » ( في 2 : 6 ، 7 )
في ملء الزمان أرسل الله ابنه إلى العالم بمهمة محددة ألا وهي أن يعيد
الإنسان إلى حالة الخضوع لسيادة الله، وليكون بداءة لخليقة جديدة تنجح فيما فشل
فيه آدم ونسله، وذلك بأن يعيش في حالة عبودية كاملة لله مهما كانت المقاومة
العنيفة التي سيلقاها من السادة الآخرين الذين اغتصبوا السيادة على الجنس البشر».
.
ورغم أن جوهر علاقة يسوع مع أبيه السماوي هو المساواة، حيث لم يعتبر
معادلته للآب خلسة بل حقا، إلا أنه اختار أن يأخذ صورة «عبد» ويصير في الهيئة
كإنسان ليحل محل آدم أمام الله، وليتمم باعتباره الإنسان الثاني من السماء ما فشل
فيه الإنسان الأول من الأرض (1 كو 15 : 47 ) .
كان ينبغي أن يقف موقف العبد تجاه الله، ومن هو العبد ؟ هو من لا
يملك أي حق في نفسه بل كل حقوقه في يد سيده، ليس له حق اتخاذ قرار ما بالاستقلال
عن إرادة سيده، ليس له أن يقرر مصيره أو يحدد مستقبله، فكل هذا من حق السيد وحده ،
العبد هو إنسان يعيش بإرادته بحسب إرادة شخص آخر.
لذلك أتى يسوع إلى العالم مسلحاً بنية الألم وبروح الوداعة، فمن ناحية
كان يعلم أنه سيتألم كثيراً من «سادة » كثيرين يريدون أن يجذبوه خارج عبوديته لله ويستأسروه
إلى العبودية لهم، ولقد واجههم بنية الألم وانتصر (۱بط 4 : 1 ) ومن الناحية الأخرى كان ينبغي أن يمتلك الوداعة التي
تعطى لله حقه كاملا في السيادة على كل تفاصيل الحياة، الوداعة التي تخضع لمشيئة الله
وتقبل من يديه كل كأس يسمح به، حتى بدا في أحيان كثيرة كشاة تساق للذبح وكنعجة صامتة
أمام جازيها ، ولذلك كانت الحمامة الوديعة هي أصدق إعلان عن ذاك المزمع أن يصير عبد
يهوه الحقيقي، ذاك الذي لم يأت ليكون سيدأ بل عبدأ ، لا ليخدم بل ليخدم .
ولقد انتصر سيدنا الوديع وتمم مهمته بنجاح، فمن الناحية الواحدة أباد
بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، ومن الناحية الأخرى قدم بروح الوداعة للآب خضوعاً
مشبعاً لقلبه، وكان في هذا الانتصار فداء للجنس البشري وباب مفتوح لشعب سيولد يخضع
لسلطان الله وحده، أي الكنيسة، وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق