الجمعة، 2 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب

                             سبعة أرواح الله ( 12 )

بقلم : فخرى كرم

    « ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا ، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها » ( مت 4 : 8 )

لعل أحد أسباب حصول إبليس على لقب «بعلزبول » أي « إله الذباب» هو أنه كلما طردته عاد من جديد بإلحاح وإصرار ليهاجمك بدون كلل أو ملل!! ولهذا نجده بعد هزيمته مرتين أمام الرب يعاود هجومه بإصرار وتصميم كما لو أن شيئا لم يحدث!! وفي هذه المرة نراه يشحذ كل قواه ويستخدم كل ما في جعبته - كل ممالك العالم !! - لإغراء الرب والعزف له على وتر آخر نجده في كل قلب إنساني ، نعني به شهوة.

الكسب والامتلاك

بداخل كل إنسان شهوة جارفة تجاه الكسب والامتلاك، نراها منذ الطفولة المبكرة عندما يسعى الطفل إلى امتلاك الألعاب المختلفة وضمها بعضها إلى بعض وتخزينها ، وتنمو معه وهو يكبر وتأخذ أشكالا مختلفة تتدرج من محاولة امتلاك الأشياء وحتى محاولة امتلاك الأشخاص !! وهذه الشهوة لا تكتفى ولا تشبع وليس لها حدود ، فعندما قال الرب له المجد « ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله...» لم يكن يبالغ البتة، حاشا ، بل كان يشير إلى شهوة حقيقية في قلب الإنسان تشتاق أن تمتلك «العالم كله »!!

كل أساليب التجارة والإعلان والترويج تعتمد في الأساس على إثارة هذه الشهوة في قلب العميل حتى تدفعه لشراء سلع قد لا يحتاجها فعلا !! فالإنسان قد يشترى أشياء كثيرة ليس لأنه يحتاجها بل لأنه يحتاج لامتلاكها، أي إنه ليس في حاجة للسلعة نفسها بقدر ما هو في حاجة للشعور بأنه امتلك شيئاً جديداً !!

وهذه الشهوة مركزية جدا في القلب الإنساني، فشهوة المكسب تقف دافعة وراء معظم أعمالنا ، وإذا انطفأت هذه الشهوة وشعر الإنسان بأنه لا سبيل لكسب المزيد فإنه يفقد الدافع للعمل والاجتهاد ، فالإنسان لن يتعب في عمل لا يرجو من ورائه مكسباً.

بل إن هذه الشهوة تقف كثيرة وراء أعمالنا الروحية وعلاقتنا بالله، فكثيرا ما اقتربنا إلى الله لأننا نعتقد أننا سنربح من ورائه الكثير، بل إن الخدام كثيراً ما يعزفون على هذا الوتر في قلوب الناس لاجتذابهم إلى الله!! إن النفوس التي أحبت الله لذاته وليس للمكسب هي نفوس نادرة الوجود بالحق!! وخلاصة القول هو ما قاله فاحص القلوب لعبده حزقيال : «إن قلب الإنسان ذاهب وراء المكسب» ( حز 33 : 31 )

لأجل كل هذا قرر إبليس أن يوجه سهامه الملتهبة إلى تلك المنطقة الحساسة في قلب شخص الرب يسوع له المجد:

 « وقال له إبليس لك أعطى هذا السلطان كله ومجدهن لأنه إلىّ قد دفع وأنا أعطيه لمن أريد . فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع » (لو 4 : 6 ، 7 )

ماذا كان إبليس يقصد من وراء هذا العرض ؟ أين يكمن السم في العسل؟

أولا : كان يريد أن يثبت أن ما يدفع الإنسان للسجود لله هو نفس الرغبة الدفينة لامتلاك المزيد، ويريد أن يثبت أنه إذا حصل الإنسان على هذا المزيد من مصدر آخر غير الله فسوف يتحول القلب سريعاً ليسجد لهذا المصدر الآخر حتى وإن كان إبليس!! يريد أن يثبت أنه ليس هناك « ساجدون حقيقيون» للأب، بل الكل تحركه شهوة الامتلاك وكل السجود فحواه الذات.

وثانيا : كان يريد أن يوقف سعى الرب منذ بدايته، فلو كان طموح المكسب هو ما يدفع الإنسان للسعي في الحياة فلماذا سيسعى إذا حصل على كل شيء مقدماً ؟ فإذا حصل الإنسان على كل ما يطمح إليه منذ البداية فإنه يتراخى ويكف عن السعي وتنتهي رحلته من قبل أن تبدأ.

ثالثا : كان يريد أن تثور في نفس الرب مقارنة بين ثمن رضا الآب وثمن رضا إبليس !! فإبليس يعلم من (مز ۸:۲) أن الآب سيمنح الابن كل أمم الأرض ميراثاً له بعد طريق طويل من الألم والسحق والحزن، ولذلك فقد قرر إبليس أن يلوح أمام عيني الرب بنفس الميراث في مقابل أسهل جدا وهو السجود له!! وهو يقصد أن يغرس في نفس الرب أن ثمن رضا الآب باهظ ومكلف بينما رضا إبليس يحتاج إلى عمل بسيط وسهل وغير مكلف، فلماذا السير إذا في طريق الموت والصليب إذا كان إبليس سيمنحه كل المجد والسلطان مجانا ؟! ولماذا تسلك طريق الأمانة الوعر إذا كان السير في طريق الخيانة أسهل؟! لماذا السجود لله وحده إذا كان السجود لإبليس يمنحنا نفس المقابل وبطريقة أسهل؟!

رابعا : إبليس يغار جدا من خضوع المحبة الذي يقدمه يسوع للآب، إنه يرغب في مثل هذا السجود ، لقد حاول قديماً أن يكون موضع المحبة والسجود كالله فسقط، وكل خضوع العالم الآن له لا يشبعه لأنه مؤسس على الكذب وليس خضوعاً حقيقياً، لقد تسلط على العالم بالخداع وسلطانه مستمر بالخداع ولو توقف إبليس يوما عن خداع الإنسان لفقد كل سلطانه، لذلك فهذا السلطان المؤقت الزائف لا يشبعه وهو على استعداد للتنازل عنه للرب في مقابل سجود حقيقي له!! وللحديث بقية.

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق