سبعة أرواح الله (14)
بقلم : فخرى كرم
« للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد » ( مت 4: ۱۰)
دعونا الآن نرفع عيوننا من على إبليس وظلمته وخداعه ونتطلع إلى ذلك
القلب الذهبي الذي انطفأت عنده كل السهام الملتهبة، ذلك القلب الذي لم يجد معه
الإغراء بكل ممالك العالم ومجدهن ، ذلك القلب الذي لم يشته أن يمتلك أي شيء لأنه
يعرف أن الله وحده هو المالك لكل الأشياء ، القلب المملوء بروح الوداعة التي لا
تريد أن تأخذ أي مجد لنفسها بل سر أن يأخذ الله وحده كل المجد والسجود والعبادة.
لقد جاء السيد إلى العالم لكي يعيد ملكوت الله على كل الأرض، جاء
ليعلن سلطان الله المطلق وحقه في امتلاك كل الأشياء والأشخاص، جاء ليعلن هذا
بحياته وأقواله وأفعاله، ألم يعلمنا أن نصلي قائلين..
لأن لك الملك (مت 6 : 13 )
تلك العبارة التي نرددها دائما في صلاتنا دون أن ندرك معانيها
العميقة، إن هذه العبارة تتصدى لشهوة الامتلاك التي تسود قلوبنا، إنها تعلن حقيقة
أن الله هو المالك وحده لكل الأشياء، والإنسان لا يمكن أن ينال شيئا إلا ما يعطيه
الله، وفي هذه الحالة لن يكون «مالك » بل « وكيلا»، والوكيل مهما كانت الأموال
التي في يديه لا يمكن أن يضع قلبه عليها لأنه يعلم أنها ليست ملكاً مطلقاً له ،
وليس من حقه أن يتصرف فيها كما يحلو له بل ينبغي أن يتصرف بأمانه كوكيل أمين على
أموال سيده ، وهو يعلم أن هذه الوكالة ليست أبدية بل مؤقتة ومشروطة، وفي أي وقت
تؤخذ منه أو يؤخذ هو منها !!
الإنسان الذي يصيب قدراً من الغنى يصاب بنوع من الغرور والارتفاع
المزيف، يعتقد أنه « مالك »، وهذا الملك يعطيه الحق في السيادة والتسلط كما يمنحه الأمان
والضمان للمستقبل، وهذا الإحساس الوهمي هو ما يسميه الرب «غرور الغنى » (مت 13 :
22 ) لكن عبارة «لأن لك الملك » تتصدى لهذا الوهم وتهدمه، فالله هو المالك الحقيقي
لكل ما في أيدينا، ونحن لا نستطيع أن نضمن بقاءه في أيدينا لساعة واحدة قادمة، إن
الضمان الذي يمنحه الغني هو ضمان « غير يقيني»، والعاقل هو من يبني ضمانه على شخص
المالك والمعطى الحقيقي وليس على العطايا الزائلة، ولقد عبر الرسول بولس عن هذا
الحق بوضوح عندما قال «أوص الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا
رجاءهم على غير يقينية الغني بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع » ( 1 تي 6 : 17 ).
هل وصل هذا الحق إلى أعماق نفوسنا ؟ هل عالج فينا شهوة الامتلاك ؟ إن
إبليس مازال يتحرك في كل يوم على هذه الشهوة في قلوب شعب الرب. مازال يغريهم
بإمكانية الحصول على المزيد، وبأنهم سيكونون أكثر سعادة إذا حصلوا على كذا وكذا،
ورغم كونه مخادعاً إلا أن إغراءه كثيرا ما نجح ، وكثيرا ما تحركت أعماقنا خلف شهوة
الامتلاك، وكثيرا ما انحنت أعناقنا وجثت ركبنا أمام هذا السيد المغتصب المخادع لكي
يعطينا أشياء أكثر، وخضعنا لقوانين هذا العالم وشروره لكي نحصل على المزيد من غناه
، لقد رفض الرب أن يسجد لإبليس في مقابل جميع ممالك العالم، أما نحن فكثيرا ما
سجدنا له في مقابل أشياء تافهة وقليلة، بل أحيانا بدون مقابل على الإطلاق!!
لمن نسجد ؟!
إن السجود والعبادة ليست أفعالا خارجية بل هي حالة قلب، فالعبادة في
جوهرها هي المحبة والمخافة والخضوع لمن يملك في يديه أمور حياتي ، والسجود ليس سوى
اعتراف بخضوعي لمن أعلم أنه يملك خيري وسعادتي ، فلو صدقت أن العالم يملك لى حياة
وسعادة فسأجد قلبي في حالة سجود لروح العالم بدون أن أدري، ولو صدقت أن إبليس
يستطيع أن يمنحني خيراً لصار قلبي في حالة عبادة لإبليس حتى لو كنت بفمي أنكر هذا
، فالقلب الإنساني يسجد بالطبيعة لمن يرجو منه الخير. أما إذا صدقنا أن الله وحده
يملك أن يعطينا الحياة والنفس وكل شيء ( أع 17 : 25 ) فعندئذ ستكون الوصية أمرا
طبيعياً وتلقائياً:
للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد
كانت هذه الوصية هي رد الرب الحاسم على إبليس، لم تكن مجرد كلمات بل
كانت خارجة من قلب ذهبي لم ينحن يوماً إلا لله، ونفس طاهرة لم تجث إلا لإرادة
يهوه، إنه الإنسان الكامل الذي لم يرج شيئا من إبليس فلم ينحن أمامه، ولم يرج شيئا
من الناس فلم يخضع لهم، إنه الشخص الوحيد الذي تمت فيه هذه الوصية بالكامل، هل
تعلمنا منه وانتقلت إلينا روحه الوديعة الطاهرة أم مازال كل منا يخفي تحت جلده
عابد وثن ؟ !! وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق