السبت، 10 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب


سبعة أرواح الله ( 13 )

بقلم : فخرى كرم

هل كان إبليس صادقاً أم كاذباً عندما قال أن ممالك العالم قد دفعت إليه؟ الحق أنه لم يكن صادقا تماما وأيضا لم يكن كاذبا تماما، لقد كان مخادعا!! إن الصادق هو من يذكر الحق كله ولا شيء غيره،. والكاذب هو من يذكر أكاذيب لا علاقة لها بالواقع والحق، أما المخادع فيذكر « توليفة » من الحق والكذب، من الواقع والخيال!! توليفة متقنة محبوكة لا يسهل اكتشافها ، إنه يذكر في مستهل كلامه بعض الوقائع وأجزاء من الحق لكى يعطى لأقواله مصداقية ويغرى المستمع بتصديقه، ولكنه سرعان ما يبني على هذه الحقائق فروضاً وتفسيرات مضللة، ويخلص إلى نتائج كاذبة لا علاقة لها بالحق القويم، وهو يجيد إظهار الحقائق وإخفاء الأكاذيب حتى ينخدع البسطاء ويبتعلوا الطعام المسموم كله، هذا ما نسميه الخداع.

ممالك العالم .. لمن؟

كون إبليس هو رئيس العالم حاليا فهذا حق كتابي ذكره الرب نفسه أكثر من مـرة (يو12 : 31 ، 14 : 30 ، 16 : 11 ) ولكنه ليس كل الحق، لقد ذكر إبليس فعل «دُفع» مبنية للمجهول ولم يذكر لنا من الذي دفع له هذا السلطان ولماذا وكيف وإلى متى؟!! والحق الكامل هو أن الأرض كلها ملك شرعي لله بصفته الخالق (مز 24 : 1 ) ولقد أعطاها في فضله للإنسان ليسودها ويثمر فيها (مز 115 : 16 ، تك 1 : 28 ) ونتيجة لسقوط الإنسان تحت سلطة إبليس بالخطية أخضعت الأرض بالتالي لإبليس ليس طوعا بل كرهاً ، ولكن هذا الوضع شاذ ومؤقت لحين اتمام فداء الله الكامل للإنسان – بما فيه فداء الأجساد - وعندئذ ستعتق الخليقة من عبودية الفساد وتعود ممالك العالم مرة أخرى لربنا ومسيحه (رؤ 11 : 15 ) وتستطيع أن تقرأ هذا الحق الكامل في (رو 8 : 19 ـ 23 ) أي إن الأرض هي ملك لله شرعا وملك للإنسان فضلا وملك للشيطان غصبا !!

ولقد ذكر إبليس للرب الجزء الأخير فقط من الحق وهو أنه المتسلط الحالي على الأرض، ثم أراد أن يبني على هذا الجزء استنتاجا باطلا وهو أنه مادام متسلطاً فهو مستحق للسجود ، ولكن الرب الذي يعرف الحق الكامل بل هو الحق الكامل ما كان يمكن أن ينخدع بهذا الضلال، فالمغتصب مهما امتلك و تسلط سيظل مغتصباً ولصاً وتحت القصاص ومهما تأني الله في قضائه وتمهل في قصاصه إلا أن الحق لابد أن يعود لصاحبه ولابد للمغتصب أن يلقى جزاءه، هو وكل من سجد له وربط نفسه بمصيره المظلم (رؤ20 : 10 )  وعجباً لمن يسجد للص ومغتصب ويربط مصيره بمصير إله مؤقت محفوظ له قتام الظلام للأبد!! 

أحقا قال الله ؟!

لقد استخدم إبليس أسلوب الخداع هذا منذ بدء تعامله مع الإنسان وحتى اليوم، فعندما قال الحواء قديمة «... تكونان كالله عارفين الخير والشر» كان يذكر جزءا من الحق، فالكتاب يقول « هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر» (تك 3 : 5 ، 22) ولكنه بني على هذا الجزء فرضا خاطئا وهو أن الله يخشى أن يصير الإنسان مثله ولذلك فهو يحاول بالوصية أن يمنع عن الإنسان هذا الخير، وهذا محض ضلال، فالله لا يمكن أن يخشى أن يصير هذا الكائن الترابي مثله حتى بعد أن يعرف الخير والشر، فمعرفة الله للخير والشر لا تماثل معرفة الإنسان لهما، فالله يعرف الخير والشر معرفة كاملة مطلقة باعتباره الخالق المسيطر على هذا الكون بكل ما فيه من خير وشر ( إش 45 : 7 ) أما معرفة الإنسان فهي معرفة محدودة ناقصة وغير مجدية، فالله عندما يقول «... صار كواحد منا » يعني التشابه من بعيد، التشابه مع الفارق الشاسع بين معرفة الخالق ومعرفة المخلوق، لكن إبليس عندما قال لحواء « تكونان كالله» فكان يلقى في روحها التشابه الذي يعني التساوي والتكافؤ، وهذا هو الضلال بعينه، وهذا ما أثبتته الأحداث التالية، فعندما أكل الإنسان من الشجرة ظل إنساناً كما هو وظل الله إلها مرتفعاً كما هو، بل زادت الشقة بينهما اتساعاً ، ولم يستفد الإنسان من معرفته للخير والشر بل شقى بها !!

الحق الكامل يقول إن دافع الله من وراء وصية عدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر هو محبته الشديدة للإنسان، لقد أراد الله للإنسان أن يعيش بحسب الحياة المتدفقة إليه كل يوم من قلب الله وليس بحسب معرفته للخير والشر، ناموس روح الحياة يربط الإنسان بالله برباط حي متجدد ، أما ناموس معرفة الخير والشر فيضع الإنسان تحت سلطان النواميس الأدبية ومجموعات الأوامر والنواهي ويفتح عليه باب الصراع مع غرائزه الدفينة ومع قوى الشر في هذا الكون، فالله يعرف أن الإنسان أضعف جدا من أن يصمد أمامه، ولابد أن تهزمه الخطية وتقوده للابتعاد عن الله والموت الأبدي، ومعرفته للخير والشر لن تفيده لأنه سيعرف الخير ولن يستطيع فعله وسيعرف الشر ولن يجد منه مهرباً !!

لا يكفي أن نعرف أجزاء من الحق ونجهل أخرى لأن كل منطقة جاهلة بالحق فينا هي أرض خصبة للخداع وثغرة يسهل لإبليس الدخول منها لتدمير علاقتنا بالله، لم يكن يكفي أن تعرف حواء الوصية بل كان ينبغي أن تعرف أيضا دوافع الله الصالحة من وراء هذه الوصية، معرفة الوصية فقط وجهلها بدوافع الله جعل إبليس يستغل هذه المنطقة الجاهلة ويصور لها أن دوافع الله هي القسوة والأنانية!! لذلك قال الرب عن الروح القدس: «يرشدكم إلى جميع الحق» ( يو 16 : 13 ) . إننا في حاجة إلى جميع الحق لكي نحصن حياتنا من مكائد وخداع إبليس... وللحديث بقية.

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق