الاثنين، 19 سبتمبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (15)

بقلم : فخرى كرم

بعد انتهاء فترة وقوف الرب على أرض إبليس انتقل إلى أرض الإنسان ليبدأ حياته العملية والعلنية، وروح الوداعة التي قادته في مواجهته لإبليس فوق الجبل هي ذاتها التي قادته في مواجهته للناس في كل مدينة وقرية، وإذا كان تسليمه كل شيء ليد الأب كان هو مفتاح انتصاره على إبليس فإن خضوعه وطاعته الكاملة للآب كانت هي سمة سلوكه بين الناس، ونحن لن نجد تلخيصا لحياته المباركة أفضل من ذلك الذي قاله بولس بالوحي :

« وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب » ( في2 : 8 )         لقد كانت طاعة السيد للآب مختلفة نوعياً عن أية طاعة نراها في أنفسنا أو نسمع عنها في حياة المؤمنين وسير القديسين، لقد كانت طاعته مبدئية شاملة أما طاعتنا نحن فثانوية جزئية، ثانوية لأنها دائما تأتي بعد أن يعلن لنا الله مشيئته ويحاصرنا بها ولا نجد منها مفراً، فعندما يعلن الله مشيئته بصورة واضحة للإنسان يبدأ الإنسان يتفاعل مع هذه المشيئة بصور مختلفة، فقد يساوم في تكلفتها أو يحاول أن يعدل في مسارها أو حتى أن ينأى بنفسه عن طريقها ، ولكن إذا حاصرته المشيئة ولم يجد منها مهرباً فإنه قد يبدأ يستسلم ويحني رأسه ويتعلم الطاعة!!

أما طاعة السيد فقد كانت طاعة مبدئية أي أنها سبقت إعلان أي تكليف أو مشيئة، لقد وضع إرادته وفق إرادة الأب وقرر أن يطيع مشيئته بسرور من قبل أن يعلن له أي تكليف، لقد كانت الطاعة بالنسبة له موقفا إرادياً مبدئياً أعطى للآب الفرصة الكاملة وأطلق يده لكي يضع في هذه الحياة المباركة كل إعلان أراده وكل مشيئة اختارها مهما كانت صعبة أو قاسية، لأن الطاعة مضمونة ومتوفرة من قبل أي تكليف أو إعلان.

وطاعتنا أيضا جزئية أي إنها تختص بمشيئة خاصة أو تكليف محدد لا يشغل من مساحة حياتنا قدراً كبيراً، كل القديسين كانت لهم « مواقف طاعة » أظهروا فيها طاعة لله في مشيئة محددة أو موقف خاص، أما بقية حياتهم فكانت تستمر لسنوات طويلة وفق الإرادة الشخصية بدون أي تكليف محدد أو مشيئة واجبة الطاعة، فذات الإنسان لا تحتمل أن تظل لفترات طويلة في طاعة لإرادة خارجية وموضوعة تحت التزام مستمر وخضوع متصل، فهذا الوضع يستلزم إنكارا كاملا للنفس لا تقوى عليه أية ذات إنسانية، والله العالم بطبيعة الإنسان لا يحمله فوق طاقته، لذلك نراه في حياة أعظم أبطال الإيمان يعطى للنفس فترات راحة تعيش فيها وفق إرادتها الطبيعية بعد كل « موقف طاعة» استلزم خضوعاً وإنكارا للذات!!

أما طاعة سيدي فلم تكن قط «مواقف طاعة» بل كانت « حياة طاعة »، طاعته شملت كل حياته بأدق تفاصيلها، في كل دقائق حياته كان يرفض أية إرادة طبيعية للنفس الإنسانية ويقبل إرادة أبيه مهما كانت مكلفة للنفس أو مهينة للذات، ولكي تتسنى له هذه النوعية من الطاعة الشاملة كان ينبغي أن.. .

يضع نفسه

الإنسان الطبيعي يقدر نفسه كثيرة ولديه دائما تخيل جيد عنها ويرسم لها في ذهنه صورة حسنة ويسعى دائما أن يراها الآخرون في أفضل حال، وبالغريزة يقاوم الإنسان كل اتجاه أو موقف يستشعر فيه الخطر على صورته، ويخاف جدا من أن يوضع في موضع تهتز فيه الصورة التي يراها الآخرون فيه أو التي يريدها هو لنفسه، وهذه الصورة الذاتية هي دائماً العقبة الأولى التي واجهت كل رجال الله في محاولتهم إطاعة الله، فالطاعة ممكنة طالما كانت غير متضاربة مع الحد الأدنى من الصورة المقبولة التي يراها كل واحد لنفسه ويريد أن يراه الآخرون عليها، لكن عندما تبدأ الذات تستشعر الخطر على صورتها من مطلب معين أو اتجاه محدد تتخذه مشيئة الله عندئذ يبدأ الصراع الداخلي المرير في قلب الإنسان، الصراع بين ذات تريد أن تتشبث بالحد الأدنى من الصورة المقبولة لنفسها وبين مشيئة الله التي تبدو للإنسان أنها تتخذ مسارا مدمراً لتلك الصورة، عندئذ تصبح الطاعة صعبة ومكلفة والخطوة في اتجاهها لها ثمن باهظ ومقرونة بدموع كثيرة، لأن الإنسان لن يستطيع أن يطيع إلا إذا اضطر أن يتخلى ولو جزئياً عن تلك الصورة التي رسمها في مخيلته وتمناها دائما لنفسه، هذا هو «وضع النفس »!!

لقد وضع سيدى نفسه بالكامل، أي إنه لم يشأ لها شكلا حسناً ولا حتى حدا أدني من القبول والمصداقية لدى الناس، ولذلك استطاع أن يطيع مشيئة الآب طاعة كاملة بلا حدود وبلا صراع، حتى عندما قادته هذه المشيئة لأوضاع مهينة ومؤلمة بحسب مقاييس أرض الإنسان وتقييمه، فأطاع عندما جعلته مشيئة الله «محتقراً ومخذولا من الناس » وعندما جعلته «لا صورة له ولا جمال» بل عندما جعلته «مهان النفس، مكروه الأمة، عبــد المتسلطين » !! وحتى جعلته «خطية» و «ذبيحة إثم» على صليب الجلجثة، لقد أطاع حتى الموت موت الصليب!! وللحديث بقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق