سبعة أرواح الله (19)
بقلم : فخرى كرم
تحدثنا عن روح الوداعة التي ملأت الرب يسوع في علاقته بالآب، وقد
رأيناها منذ تمثلت في هيئة حمامة تحل عليه في المعمودية وحتى الموت موت الصليب،
ولقد تجلت هذه الروح أولاً في البرية وكانت هي مفتاح نصرة الرب في التجربة المثلثة
لإبليس، ثم رأيناها في أرض الإنسان بعدما نزل الرب من جبل التجربة إلى أرض الخدمة
العملية والعلنية، حيث وجدناه يخضع لمشيئة الآب ويطيعها طاعة مبدئية شاملة وفق
الساعة ورغم المقاومة وحتى الموت، وقبل أن نترك هذه الجزئية لابد أن نلاحظ درسا
ثمينة للغاية، درس نتعلمه من ترتيب الأحداث في حياة ربنا المبارك، درسا يقول إن
النصرة تبدأ في الخفاء
معركة الرب مع إبليس بدأت بمصارعة شخصية في البرية، حيث لا يوجد سوى
الله والنفس وإبليس، وفي هذه المصارعة شحذ إبليس كل قواه وإغرائه وسلطانه وجمعهم
في ثلاث تجارب، رأيناه يستغل الاحتياج الطبيعي للجسد لكي يحول انتباه الرب إلى
نفسه، ورأيناه يستغل أقدس الأماكن بل وكلمات الوحي المقدسة لكي يغرى الرب بمجد
الذات، ثم رأينا قدرته على أن يجمع أمام الرب كل ممالك العالم ومجدهن في لحظة من الزمان.
وفي هذه المصارعة الشخصية يسهل على النفس أن تخطىء ولو بالفكر، وأن
تتجاوب مع التجربة ولو بمشاعرها، لأنه في البرية لا يوجد رقيب من الناس يمكنه أن
يرصد الخطأ ويدينه أو يلاحظ الصواب ويمتدحه، في البرية يبدو أن الخطأ بلا عقاب
والصواب بلا مجازاة، في البرية لا يوجد سوى الله وحده يراقب، لذلك لا ينتصر في هذه
المصارعة إلا من أحب الله وحده واشتهى رضاه فقط، لا ينتصر سوى من امتلأ بروح
الوداعة التي تشتاق أن تعطى الله كل المجد والطاعة، وبدون مقابل!!
خلاصة
القول إن الصراع الشخصي في البرية كان مكثفاً وشاملا، أما بعد النزول إلى الخدمة
وسط الشعب صارت التجربة مفصلة أكثر، لم تختلف في جوهرها عن التجربة في البرية
فإبليس ليس لديه تجارب أخرى يجرب بها الإنسان، إنه نفس الجوهر لكن بدلا من أن تكون
التجربة مكثفة أمام النفس «في لحظة من الزمان» صارت مفككة وموزعة على العديد من
المواقف اليومية المتكررة والمتنوعة.
فإذا كان الرب قد تعرض في البرية مرة واحدة وبشكل مكثف لتجربة
الاهتمام بالاحتياج الشخصي فإنه تعرض عشرات المرات في كل يوم لتجربة أن يعطى لجسده
راحة أو يهتم قليلا بحياته وأن يكف ولو للحظة عن بذل نفسه لكل الناس، حتى انتهره
بطرس لكي لا يسلم نفسه للموت عن العالم، لكن إذا كان الرب قد انتصر على هذه
التجربة عندما أتته من إبليس ذاته بشكل مكثف وصريح ومباشر فمن الطبيعي أن يستعلن
انتصاره على هذه التجربة ذاتها عندما تأتيه في كل يوم من خلال أدوات إنسانية
متعددة.
وإذا كان الرب قد رفض أن يأخذ مجداً لنفسه وهو واقف على جناح الهيكل
فمن المنطقي أن يفشل الناس في خداعه بكلمات التملق والمداهنة المسمومة، وليس غريبا
على من رفض إغراء كل ممالك العالم ومجدهن أن يرفض أن يختطفه الناس ليجعلوه ملكا
عليهم، إن انتصار الرب في مواجهته مع إبليس في الخفاء جعلت انتصاره العلني والعملي
في أرض الإنسان ليس سوى تحصيل حاصل، لقد خرج الرب من البرية إلى الحياة العملية
غالباً ولكي يغلب!!
... ونفس الترتيب في حياتنا !!
الأمور تسير في حياة كل واحد
منا بنفس الترتيب، فمعركتنا تبدأ دائما بشكل شخصي وفي الخفاء، حيث يتواجه القلب مع
إبليس الذي في سلطانه أن يكثف التجربة أمام النفس و يركزها في لحظة من الزمان،
ويوجهها إلى نقاط الضعف المحددة التي يعرفها فينا، وهناك في الخفاء حيث لا يرانا أحد لكي يمتدحنا يكون الامتحان الحقيقي لولاء
النفس ومحبتها لله، وإذا استطاعت النفس أن تنتصر على التجربة في صورتها الشخصية
المكثفة هذه فإن انتصارها على تفاصيل التجربة في صورتها العملية في أرض الواقع يكون
محسوسأ بشكل كبير ومن قبيل تحصيل حاصل.
والعكس أيضأ صحيح للأسف، فالفشل أمام التجربة في الخفاء والسقوط
الدفين للقلب أمام الإغراء لابد أن يظهرا في سقوط علني أمام التجارب اليومية في
الحياة العملية، إن من انتصر يوما أمام عيني الله فقط ولأجل الله فقط لابد أن يأتي
اليوم حين يعلن الله انتصاره أمام عيون كل الناس، ومن سقط أمام عيني الله وحده
لابد أن يرى الجميع سقوطه عاجلا أم آجلا!
أخي
العزيز ، هل أنت منتصر في الخفاء ؟! (يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق