الأربعاء، 5 أكتوبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (17)

بقلم : فخرى كرم

تكلمنا عن طاعة الرب يسوع للآب في أرض الإنسان، وقلنا إنها كانت طاعة شاملة مبدئية وكانت منضبطة تماما وفق ساعة الآب وتوقيته، واليوم نضيف أن هذه الطاعة الكاملة الفريدة كانت أيضأ ..

طاعة رغم المقاومة

طاعة الله في وسط العالم لابد أن تلقى مقاومة عنيفة لا يعرفها إلا من عرف معنى الطاعة الحقيقية لله، فالناس بالطبيعة لا تحب من يختلف عنهم، وأرواحهم تقاوم - ولو بشكل خفي غير ظاهر - كل من يستشعرون اختلافه عنهم، في البداية قد يحاولون استمالته ليعود إلى التوافق مع شكلهم وأسلوبهم المعتاد ، وإذا لم تنجح هذه المحاولة يبدأون سعيهم لتدميره وعزله. والنفس عادة لا تستطيع أن تحتمل هذه المقاومة لفترات طويلة، لأن الإنسان بطبعه يحب أن يكون مقبولا من المجتمع المحيط به ويأتنس بقرب الناس ومحبتهم، والمقاومة المتمثلة في الاستمالة أو النبذ عادة ما تؤتي ثمارها سريعا ويكف الإنسان عن سلوكه المغاير ويعود إلى موافقة الجماعة والسير في ركابها.

فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي ، يستمد سلامه وأمنه من الوجود في جماعة مترابطة متآزرة تساند بعضها البعض ، جماعة تتشابه في سلوكياتها وأفكارها بشكل عام، وشرعية أي سلوك في هذه الجماعة مستمد من شيوعه وقبول الناس له وتعارفهم عليه أكثر مما يستمد من موقف الله منه، وأيضا عدم مشروعية أي سلوك تكون ناتجة عن عدم شيوعه وتعارف الناس عليه حتى وإن كان الله مصادقاً عليه!! لهذا السبب كان الأنبياء دائماً معرضين للانتقاد والرفض بل وللاضطهاد والقتل لاسيما من أهل بيتهم ووطنهم (مت 13 : 57 ) لأن أهل البيت والوطن هم أكثر الناس رغبة في الاتحاد في شكل وأسلوب واحد، وبروز شخص ذي فكر مغاير وسلوك مخالف يصنع بينهم انقساما ويشق صفوفهم، لذلك إما أن يكف عن اتجاهه المخالف ويعود لركب الجماعة وإما أن يزول من المشهد تماما لكي يعود للجماعة سلامها.

والقادة الدينيون بالذات يتعاملون مع شعوبهم بحسب نظرية « القطيع »، أي أن مصالحهم تعتمد على بقاء الشعب في جهالته وسيره في ركب واحــد بدون اعتـــراض أو تســاؤل (حز 34 : 1 ـ 6 ) وبروز أي فكر ديني مستنير يصنع اضطرابا في صفوف « القطيع » ويضر كثيراًبمصالح القادة، ولذلك كانت أيدي القادة الدينيين ملوثة دائماً بدماء الأنبياء كما قال لهم السيد له المجد (مت 23 : 31 ، 37 ) .

الروح الغريبة !!

والمجتمع اليهودي الذي كان ينعم بالهدوء الظاهري تشوش واضطرب كثيرا عندما بدأ الرب له المجد خدمته، تعاليمه وسلوكه شقت الصفوف وأظهرت فسادا كثيراً كان مدفوناً ومخفياً في حياة الشعب وقادته، ومن ثم هاج المجتمع وتموج بين مؤيد ومعارض ومتسائل ومتشكك، وعلى الفور تحركت أرواح القادة لتقاوم هذه الروح الغريبة التي أقضت مضاجعهم و عكرت صفو حياتهم وهددتهم في سلطانهم ومصالحهم.

ولقد اتخذت هذه المقاومة الاتجاهات المعهودة، فبدأت بالاستمالة والمداهنة، فنقرأ كثيرا عن الولائم التي كانت تقدم للرب ليس بهدف الترحيب له بل لاصطياد الأخطاء له، ووصلت محاولة الاستمالة إلى حد الامساك به لجعله ملكا عليهم، ولكن الرب في طاعته الكاملة للآب لم تؤثر فيه هذه الولائم والترحيب المزيف، بل كان في كل وليمة يصر على كشف زيف مضيفيه وسوء قصدهم (لو ۷: 44 - 46) وعندما علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف عنهم إلى الجبل وحده (يو 6 : 15 ) لقد استطاعت روح الوداعة والطاعة بداخله أن تقاوم اغراء الحصول على رضا الناس، وفضل أن يمكث « وحده » في « الجبل » على أن يسكن وسط شعب لا يخضع لفكر الله!!

ولما لم تفلح الاستمالة تحركت أرواح القادة ضد الرب في محاولة لتدميره وعزله عن بقية الشعب بل وقطعه من أرض الأحياء إن أمكن!! وتحرك « الرعاة » بالكذب والخداع في وسط « قطيعهم » بهدف تشويه صورة الرب ووصمه بأشنع الصفات في محاولة لجعل الشعب ينبذه ويسلمه للموت!!

أمام هذه المقاومة الجارفة كان المتوقع من أي روح إنسانية أن تخور وتخاف من الرفض والقطع وتعود تسترضي الناس وتهادنهم، لكن روح الوداعة والطاعة التي ملأت الرب لم تضعف أمام هذه المقاومة العنيفة بل ظلت على خضوعها للآب قابلة من يديه الكأس التي سمحت بها قداسته وعدله، حقا سيول الهاوية لم تطفيء هذه الطاعة الفريدة!! وللحديث بقية

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق