سبعة أرواح الله (20)
بقلم : فخرى كرم
قلنا إن الوداعة هي أن نعطى لكل واحد ذي حق حقه، ولقد رأيناها تتحرك
في اتجاه الله عندما قدم الرب يسوع للأب حقه الكامل في السجود والخضوع والطاعة،
سواء في الخفاء في مواجهة إبليس أو أثناء خدمته العلانية في وسط الناس، واليوم
نبدأ الحديث عن الاتجاه الثاني للوداعة ألا وهو اتجاهها للإنسان، فالشخص الوديع هو
الذي يعطى للناس حقوقهم كاملة كما يعطى لله حقه كاملا، ويخطىء من يظن أن حق الله
يتعارض مع حق الإنسان، أو أننا لكي نعطى الله حقوقه ينبغي أن ندوس حقوق الآخرين،
حاشا، فالوداعة لا تتجزأ !!
وإن قلنا أن حق الله هو الخضوع والسجود والطاعة الكاملة فما هي حقوق
الإنسان؟ في الواقع إن هناك حقوقاً خاصة لفئات خاصة من الناس وهناك حقوق عامة لكل
إنسان، وستبدأ الحديث عن:
الحقوق الخاصة
هناك سلطان اجتماعي مثل سلطان الأبوين، وسلطان ديني لأصحاب المراكز
القيادية في الجماعة الدينية، وسلطان مدني للرؤساء والحكام، وينبغي على المؤمن أن
يعطى لأصحاب هذه السلطات الاحترام والخضوع اللائقين، وفي هذا يقول بولس بوضوح
«أعطوا الجميع حقوقهم : الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف من
له الخوف والإكرام لمن له الإكرام» (رو 13 : 7 ) ويقول بطرس «اخضعوا لكل ترتيب
بشرى من أجل الرب ، إن كان للملك... أو للولاة... أكرموا الجميع، أحبوا الإخوة ،
خافوا الله، أكرموا الملك» (۱بط 2 : 13 ـ 17 ) وما هذا إلا تطبيق للمبدأ الشهير الذي قرره الرب
نفسه عندما قال «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (مر 12 : 17 ) .
وفي كل حياة الرب يسوع نراه يعطى لأصحاب الحقوق الخاصة حقوقهم، ففي
صباه رأيناه يخضع لسلطة أبويه (لو 2 : 51 ) وأثناء خدمته رأيناه يخضع للسلطة
المدنية ويعلم تلاميذه أن يخضعوا لها رغم عدم اقتناعه بمشروعية الضرائب التي
تجمعها (مت 17 : 24 ـ 27 ) وفي نهاية حياته الكريمة وجدناه يقف أمام بيلاطس ويقول
له «لم يكن لك على سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق » (يو 19 : 11 ) لقد خضع
يسوع لسلطان بيلاطس وحكمه الظالم ليس عن خوف أو اضطرار بل « من أجل الرب» على حد
قول بطرس، أي من أجل أن الرب هو الذي أعطى لبيلاطس السلطان أن يكون في منصبه هذا
ويصدر حكمه هذا ، ونفس الحق تكلم عنه بولس: «ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين
الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله» (رو 13 : 1
، 2 )
وبولس كان تلميذا ليسوع في وداعته، ولذلك رأيناه يعتذر أمام رئيس
الكهنة عن كلماته القاسية، لأنه مكتوب: «رئيس شعبك لا تقل فيه سوء » (أع 23 : 5 )
فرغم علم بولس أن هذا الرئيس لا يحكم بحسب فكر الله إلا أن وجوده في منصبه الديني
هذا كان مسموحاً به من الله، ولذلك حق له التوقير والاحترام!! نقول هذا لمن يظن أن
اقترابه من الله يعطيه الحق أن يحتقر الرياسات ويتخطاها ويقاومها، ليس هذا فكر
المسيح الوديع الذي أعطى الإنسان حقه تماما كما أعطى لله حقه.
الخضوع للسلطان وليس الخضوع للفكر
لابد أن نفهم أن الخضوع للسلطان شيء والخضوع للفكر شيء آخر تماما، فالكتاب
لا يطالبنا بالخضوع لفكر القادة متى كان مخالفاً لفكر الله بل يطالبنا فقط بالخضوع
لسلطانهم، وغنى عن البيان أن الرب لم يخضع لفكر بيلاطس لكنه خضع لسلطانه في إصدار
حكم الصلب، والتلاميذ لم يخضعوا قط لفكر رؤساء الكهنة لأنه ينبغي أن يطاع الله
أكثر من الناس، لكنهم في نفس الوقت لم يقاوموا أحكام السجن التي صدرت ضدهم، وبولس
لم يخضع لحظة واحدة لفكر القادة ولم يحاول ارضاءهم، وعندما حكموا عليه بالسجن
والموت خضع لسلطانهم وأسلم نفسه للسجن والموت دون أن يغير هذا من فكره الذي ظل يكرز
به حتى وهو في السجن، فالحكام يستطيعون أن يلقوا بولس في السجن الداخلي ويضبطوا
رجليه في المقطرة، ولكنهم لا يستطيعون أن يمنعوه من الصلاة والتسبيح!! فجسد بولس
خاضع لسلطان الحاكم لكن قلبه وعقله خاضعان لسلطان الله، ولا يوجد سلطان على الأرض
يستطيع أن يمنع خضوع قلب المؤمن لله، وعصور الاستشهاد تشهد عن ذلك.
أما الخضوع لفكر القادة - مهما كان خاطئا - بهدف اتقاء شرهم أو كسب رضائهم فهذا من أعمال روح «المداهنة» وليست روح
«الوداعة»، والفرق بينهما الفرق بين الجحيم والسماء!!
ينبغي أن نفهم جيدا الفرق بين الخضوع للسلطان والخضوع للفكر، لأن
البعض في أوساطنا الروحية يظن أن الخضوع للرياسات يعني الطاعة لفكرهم حتى وإن كان مغايراً لفكر الله،
لكن الحقيقــــة أننا ينبغي أن نستأسر كل فكرنا لطاعة المســــيح وحـــــده ( 2كو 10 : 1 ) وللحديث
بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق