سبعة أرواح الله (21)
بقلم : فخرى كرم
قلنا إن روح الوداعة تجاه الإنسان تمنحه حقوقه كاملة، وأول هذه
الحقوق هو حقه في الاختيار، واليوم نضيف أن من حقوق الإنسان أيضا:
حق التعبير
الإنسان السوى ليس هو القادر فقط أن يختار بل هو
القادر أيضا أن يعبر عن هذا الاختيار، فقد يختار الإنسان موقفا ما ولكنه يعجز عن
المجاهرة بهذا الموقف لسبب أو لآخر، وهذا يؤدي إلى ازدواج في الشخصية: من الداخل
يعتنق الإنسان موقفا ومن الخارج يظهر موقف آخر، وأن يجاهر الإنسان بموقف مخالف لما
يعتقده داخليا هو ما يسميه الكتاب:
الرياء
يستشري هذا الداء في المجتمعات المقيدة للحريات، وكان هذا الداء
موجوداً بكثرة في المجتمع اليهودي في أيام تجسد الرب له
المجد، بدأ في القادة ثم انتشر إلى كل المجتمع مثلما تنتشر الخميرة لتخمر العجين
كله، رغبة في الاستعلاء على الشعب كان الكتبة والفريسيون يخفون اختطاف ودعارة
بداخلهم ويظهرون برأ وتقوى، وخوفا من القادة ورغبة في رضاهم كان الشعب يخفي غضباً
ورفضأ ويظهر حبأ وخضوعأ، وخوفا من بطش السلطة الرومانية كان المجتمع اليهودي كله يكتم ذلا وهوانا ويظهر طاعة وولاء!! كان الكل يرائي لأن
أحدا لم يكن يمتلك الشجاعة ليعبر عن حقيقة موقفه، ولقد حذر الرب تلاميذه من سريان هذه
الروح إليهم ( لو 12 : 12 ) ، فهو الوحيد الذي داس روح الرياء في حياته وعاش يماثل
ظاهره باطنه ، وقاد تلاميذه إلى نفس الحياة .
روح الوداعة
وإذا كان القائد المزيف يفرح عندما يرائيه الناس ويظهرون له عكس ما
يبطنون إلا أن روح الوداعة التي تجسدت في شخص الرب يسوع له المجد كانت ترفض هذا
الرياء وتشجع الإنسان لكي يعبر عما بداخله أيا كان، فالشخص الوديع هو الذي تشعر في
محضره بأنك قادر على التعبير عما بداخلك بدون خوف، هو الشخص الذي تسلك معه كما أنت
في الحقيقة بدون مواربة إنه الشخص الذي يعطيك الإحساس بالأمان وبأنه يقبلك كما أنت
وبأنه لا يقيم نفسه ديانا لما في أعماقك، الشخص الوديع يصمت كثيراً لكي تتكلم أنت،
ويتراجع أحيانا لكي تتقدم أنت!!
النور الذي ينير كل إنسان طالما ظل موقف الإنسان الداخلى خفية غير
معلن يكون من المستحيل التعامل معه أو علاجه أو حتى إدانته، لذلك كان أحد جوانب
إرسالية الرب إلى العالم هو أن ينير خفايا الإنسان ويشجعه على إظهار مواقفه
الداخلية، وهذا ما قاله سمعان الشيخ بروح النبوة عن إرسالية الرب: «لتعلن أفكار من
قلوب كثيرة» (لو ۲: ۳۵) أفكار ومواقف كثيرة ظلت مكتومة في القلوب لسنوات طويلة كان الرب مزمعاً
أن يخرجها للنور ويعلن عنها ، ولقد فعل هذا بروح الوداعة التي تدفع من يتعامل معها
لإظهار مكنونات قلبه. كان بداخل القادة الدينيين موقف مضاد لصاحب الكرم (مت 21 :
33 ) كانوا يأخذون ثمر الكرم لحسابهم وهو من حق الله وحده ، ولكن
هذا الموقف المضاد لله كان مدفوناً تحت كم هائل من المظاهر الخارجية الخادعة، مظاهر
التدين والتقوى والورع، وكانت إحدى مهام الرب له المجد هو إظهار حقيقة موقفهم من الله
وإعلان أفكار البغضة الكامنة في قلوبهم، ومسلكه الوديع هو الذي شجعهم لكي يجاهروا ببغضتهم
له، فقد كان مثل «النعجة الصامتة أمام جازيها »، وصمت النعجة يشجع جازيها لكي يمضى
في عمله حتى النهاية!! لقد كان الرب بالنسبة لهم « علامة تقاوم» على حد قول سمعان الشيخ
( لو 2 : 34 ) أي أنه كان هدفاً تخرج عليه كل المقاومة الكامنة في قلب الإنسان تجاه
الله!! وعندما ظهرت هذه المقاومة ومضت في طريقها حتى كملت في الصليب أصبح من الممكن
التعامل معها وإدانتها، ولم تتأخر الدينونة كثيرة!!
وداعة الرب أعطت الفرصة لبطرس لكي ينكر، وليهوذا لكي يخون، وللتلاميذ
لكي يهربوا ، دون أن يخشى أحد منهم لوماً أو عقابا !! اسمعه وهو يقول ليهوذا
بوداعة «ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة» ( يو 13 : 27 ) الرب يدفعه لكي يعبر عن الخيانة الموجودة بداخله
بأكثر سرعة!! فطالما ظلت الخيانة كامنة في قلب يهوذا وتتحرك ببطء في الخفاء لم يكن
من الممكن إدانتها ، فقط عندما ظهرت في العلن أمكن وضعها تحت الدينونة، ولم تتأخر
الدينونة كثيراً !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق