الخميس، 6 أكتوبر 2022

أحاديث من القلب

 

سبعة أرواح الله (18)

بقلم : فخرى كرم

              « أطاع حتى الموت موت الصليب » (في 2 : 8 )

قلنا عن طاعة يسوع للأب إنها طاعة مبدئية شاملة وفق الساعة ورغم المقاومة، واليوم نقول عن هذه الطاعة الفريدة إنها ..

طاعة حتى الموت

كلمة «حتى» تفيد أقصى مدى تصل إليه الطاعة، ولكل واحد منا « حتى » الخاصة به !! فكل منا يستطيع أن يطيع « حتى » يصل الأمر إلى شيء ما محبب للنفس، وعندئذ لا يستطيع الإنسان أن يطيع أكثر وتتوقف مسيرة الطاعة في حياته ويبدأ يعيش على ذكرى الماضي.

لكل منا أموره المحبوبة التي لا يجوز الاقتراب منها ولا يستطيع التنازل عنها، وعادة ما تكون هذه الأمور هي نهايات الطاعة في حياتنا وعندها تتوقف مسيرة الخضوع، فهذا الأخ أطاع «حتى» تعلق الأمر بأمواله، وذاك أطاع «حتى» مست صحته، وثالث أطاع «حتى» تهدد سلامه الاجتماعي، ورابع أطاع « حتى» جرحت كبرياؤه، ولاشك أن إبليس كان يراهن على أن طاعة يسوع لابد أن تستمر «حتى» تصطدم بعقبة ما ثم تنتهي، ولذلك نراه يضع في طريق الرب عقبات وخسائر متدرجة في شدتها وقسوتها لكي يوقف مسيرة طاعته لمشيئة الأب.

أول عقبة صادفت الرب منذ أول عظة ألقاها في مجمع الناصرة كانت فقدان رضا أهل مدينته، وما أقسى فقدان رضا الأهل على نفس الإنسان!! ما أقسى أن يفقد الإنسان كرامته في مدينته ووسط أهله، ولكن يسوع اجتاز هذه العقبة وترك آسفاً المدينة التي تربي بها وعاش فيها أيام صباه الأولى وشبابه المبكر ، وبدأ يتجول من مدينة إلى أخرى كالغريب الذي ليس له أين يسند رأسه.

بعد ذلك بدأ إبليس يلوح له بخسارة كرامته وسمعته الحسنة لدى الشعب وذلك عندما بدأ الكتبة والفريسيون بما لهم من سلطان على أذهان الناس يروجون الشائعات حول شخص الرب وينسبون قواته إلى بعلزبول رئيس الشياطين، قاصدين تدميره نفسياً واجتماعياً لكي تتوقف طاعته عند هذا الحد وتتوقف معها مقاصد الله، لكن سيدي اجتاز - بنفس نازفة - وسط حقدهم وأكاذيبهم و مضى مكملا خدمته.

وعندئذ بدأ يهدده بفقدان مصداقيته لدى أقرب الناس إليه، شكوك المعمدان وخيانة يهوذا وإنكار بطرس وهروب التلاميذ، أراد أن يقول له إن كل حياته وخدمته قد مضت بدون أية قيمة، فليس فقط الشعب والقادة قد انقلبوا ضده بل حتى القلة الذين صدقوه قد انصرفوا كل واحد إلى خاصته وتركوه وحده، وما أقسى الإحساس بالفشل والوحدة، وما أقسى شعور الإنسان بأن حياته قد مضت بلا جدوى!! وماذا يبقى للإنسان بعد فقدانه لأهله وسمعته وأقرب أصدقائه ؟ ماذا يبقى له لكي يستمر يسلك طريق الطاعة الوعر هذا ؟!! لكن سيدي اجتاز هذه العقبة أيضأ ومضى وسط مشاعر الجحود والنكران والهجر والخيانة مصمماً أن يشرب الكأس حتى آخر قطرة.

لقد تجرد سيدي من كل شيء ولم تبق له سوى حياته ذاتها، وهنا بدأ إبليس يلوح له بخسارة هذه الحياة أيضا، أخذ يهدده بالموت، ليس فقط الموت بل

موت الصليب

موت الصليب يعنى الموت المصحوب بالعار والرفض والهوان والمذلة والألم المروع والإهانة والتشهير، فقد يموت الإنسان ويظل يحتفظ بذكرى طيبة في أذهان الناس، لكن إبليس كان يهدد يسوع بفقدان الحياة المصحوب بفقدان أية ذكرى طيبة في أذهان الناس، كان يهدده بأن يظل في أذهان الناس محسوباً في عداد الأثمة (إش 53 : 12 ) . لكن العجيب أن روح الوداعة الذي ملأ سيدي لم يتراجع عن الطاعة حتى أمام هذه النوعية من الموت، كان على استعداد أن يخسر كل شيء لكي يتمم مشيئة الأب، لم يخر أمام قسوة وظلم وظلمة هذا المصير الرهيب الذي يلوح في الأفق، وهكذا اجتاز وسط مشهد المحاكمة والصليب دون أن يفتح فاه ، مسلماً نفسه ليد صالبيه وهو في الحقيقة مسلمها لمشيئة أبيه، لقد انتصرت طاعته واستمرت حتى الموت موت الصليب، لقد قدم يسوع كل ما يملكه على مذبح طاعته للأب، لم يدخر شيئا ولم يؤخر عطاء، وهذه الطاعة الكاملة الممزوجة بالمحبة الكاملة هي التي صعدت بخور طيباً أمام الآب، وهي التي اشترت لنا الغفران والفداء الذي نتمتع به اليوم.

دعني أنحني بامتنان أمام طاعتك الكاملة يا سيدي وأنا أسأل نفسي في خجل: «حتى» ماذا أستطيع أن أطيع مشيئتك في حياتي ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق