سبعة أرواح الله ( 3 )
بقلم : فخرى كرم
مشيئة الله ثابتة وواحدة دائما في
جوهرها الذي هو الحق والعدل والصلاح، ولكن إعلان هذه المشيئة في أرض الإنسان يختلف
كثيراً من وقت إلى وقت ومن إنسان إلى آخر بحسب الاحتياج المتغير للإنسان وقدرته
على الاستيعاب، ولأن الروح هو المكلف بإعلان مشيئة الله للإنسان لذلك نراه يقترب
من الإنسان بأشكال وأساليب متعددة ومختلفة حتى تحسبه أرواحاً متعددة، ولهذا دعاه
الكتاب « سبعة أرواح الله». ولنأخذ مثلا عن اختلاف تعاملات الروح في الأوقات
المختلفة من تاريخ شعب الله:
عندما كان الشعب مستعبداً مقهوراً
في مصر تحرك قلب الله بالشفقة على الشعب والرغبة في خلاصه، فقام الروح باختيار
الإناء الإنساني المناسب وأعده لإتمام هذه المشيئة كما هي في السماء كذلك على
الأرض، وعندما اكتنف الروح موسى ملأه بالشفقة والمحبة للشعب مما دفعه لرفض كل خزائن
مصر لكى يلتصق بهذا الشعب المهان، وملأه بروح حلم واحتمال يفوق قدرة الإنسان لكي يستطيع
أن يحتمل شعبأ كثير التمرد والعصيان، ولقد استطاع الروح المبارك من خلال قيادته لهذا
الإناء الإنساني أن يتمم مشيئة الله في أرض الواقع، وأعلن للشعب كيف إن الله مهتم
بهم ومحتمل لضعفاتهم وغافر لأخطائهم.
ولكن إذا انتقلنا إلى وقت آخر من
تاريخ شعب الله، في أيام آخاب الملك، نجد الشعب مرتداً ، ناسياً لإلهه، عابدأ
للبعل!! وفي هذا الوقت كان قلب الله يموج بالغضب والقضاء، ومرة أخرى نجد الروح
يحمل هذه المشيئة ويبحث عن إناء إنساني يستطيع من خلاله أن يتمم هذه المشيئة في
أرض الواقع، ولقد وجد إيليا التشبي وأعده إعداداً خاصاً ، وعندما اكتنف الروح
إيليا وجدناه يمتلىء غضباً وسخطاًعلى ضلال الشعب، وامتلأت كلماته بالقضاء والوعيد،
واصطبغ طريقه في وسط الشعب بالنار والدم!!
إن روح الحلم والاحتمال التي ظهرت
في موسى تختلف كل الاختلاف عن روح القضاء والدينونة التي تجلت في إيليا، حتى إن النظرة
السطحية لا تستطيع أن تصدق أنهما من عمل روح واحد إلا عندما تراهما جنبا إلى جنب على
جبل التجلي تظللهما سحابة واحدة !!
لكن الاختلاف في معاملات الروح لا
يكون فقط من وقت إلى آخر بل..
من إناء إلى إناء!!
كان يوحنا المعمدان معاصراً للمسيح ومع
ذلك كان هناك اختلاف كبير بين الروح التي تجلت في كل منهما، فبينما رأينا يوحنا
ينعزل عن الشعب ويختلف عنهم في كل شيء حتى في المأكل والملبس، وجدنا الرب يقترب
جدا منهم ويترفق بهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، أو بحسب تعبير الرب «جاء يوحنا لا
يأكل ولا يشرب... وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب (مت ۱۸:۱۱ ).
إن روح الانعزال والقضاء التي
ظهرت في يوحنا تختلف تماما - في مظهرها - عن روح المحبة والغفران التي تجلت في
المسيح، حتى إن كثيرين - ومنهم يوحنا نفسه – كادوا يعثرون
في هذا الاختلاف (لو 5 : 33 ، ۱۹:۷)، ولكن الحقيقة أن كلا منهما كان
من عمل الروح الواحد، وكلا منهما كان يتمم المشيئة المعلنة له ويصطبغ بالصبغة
المحددة له، والإناء الصالح هو الذي يقبل المشيئة المعلنة له ويميز أسلوب الروح في
التعامل معه مهما اختلف في مظهره عن أسلوب الروح في التعامل مع الآخرين.
من أي روح نحن ؟!
لعل الموقف الوارد في (لو 9
: 51 - 56 )يلقي مزيدا من الضوء على موضوعنا هذا. عندما طلب ابنا زبدى أن تنزل نار
من السماء لتفني قرية السامريين كانا يطلبان شيئا فعله إيليا من قبل، لم يكن الطلب
إذا خاطئاً في حد ذاته، لكن الخطأ كان في محاولة تقمص روح إيليا بينما الروح الذي
يمتليء به سيدهم في هذا الوقت كان مختلفاً تماما عن روح إيليا، كان الخطأ أنهم لم
يميزوا الروح الذي يصبغ هذه المرحلة من خدمة سيدهم، أو بحسب تعبير الرب « لستما
تعلمان من أي روح أنتما ، لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص»، كان
ينبغي أن يصطبغا بالصبغة التي يصطبغ بها الرب، وليس بالصبغة التي اصطبغ بها إيليا
(مت 20 : 22 ) كانت روح إيليا مناسبة في خدمته أما في خدمة الرب فلم يكن لها مكان البتة!!
كم نحتاج أن نميز من أي روح نحن!!
إن الروح يحمل مشيئة خاصة بك وبكنيستك وببلدك، لا تحاول أن تقلد أحداً أو تستحضر
روحا امتلأ به شخص آخر أو تصطبغ بصبغة خادم غيرك، اسع لكي تعرف أي روح يريد الله
أن يملأك به وأية صبغة يريد أن يصبغ بها خدمتك، واعلم أن أية محاولة لتحديد شكل
ثابت لمعاملات الروح هي محاولة فاشلة، فالروح كان وسيظل حراً في أن يتعامل مع
الإنسان بأنواع وطرق كثيرة.. وللحديث بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق