الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


          
الله معنا

"هوذا العذراء تحبل و تلد ابنا و يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا "
( مت 1 : 23 )
الله دائما يتصرف بما يتفق مع صفاته ، حيثما يوجد و كيفما يعمل لن تجد فيه تغييرا و لا ظل دوران ، إلا أن عدم محدوديته اللامتناهية تجعله دائما أبد من كل معرفتنا و إدراكنا ، فمعرفته المطلقة و حكمته الكاملة تجعله يتصرف بمنطق ابعد من حدود منطقنا البشري ، و لأجل هذا السبب لا نستطيع أن نتنبأ بأعمال الله مسبقا ، فهو دائما يدهشنا عندما يتحرك !! مهما كان اتساع أفق توقعاتنا فإن الله عندما يتحرك تجاهنا لابد أن يصيبنا بالذهول من قدرته على تخطي كل توقعاتنا ، مما يجعل العقل ينحني بخشوع معترفا بمحدوديته المعيبة و يجعل النفس تنسبي في إعجاب بغنى الله الذي لا يستقصى .
        لذلك فإن أحد الصفات التي تلازم أي علاقة حقيقية مع الله هي الاندهاش المستمر !! دائما نكتشف أن الله أعظم مما نتصور و أكثر مجدا مما اعتقدنا !!
        لكن نستدرك ، فنقول أنه بمقياس آخر نستطيع أن نتنبأ بأعمال الله لأنه ـ كما قلنا ـ يعمل دائما بما يتفق مع صفاته ، و لأننا نعلم مثلا أن الله محبة لذلك يمكننا أن نتنبأ بيقين أن المحبة ستكون جوهر كل عمل من أعماله ، سواء في خلاص خاطئ تائب أو في تأديب مؤمن غير تائب !! و بالمثل نستطيع أن نتأكد أنه سيكون دائما عادلا و أمينا و رحيما و حقا .
ألم نسال أنفسنا كثيرا عن كيف كان الله سيتصرف لو كان في مكاننا ؟! ألم نجرب أحيانا بأن الله لا يشعر بالصعوبة التي نشعر نحن بها عندما نحاول أن نحيا بالصواب في مثل هذا العالم الشرير ؟! لكننا لسنا في حاجة لأن نسال عن كيف سيتصرف الله لو كان في مكاننا لأنه فعلا كان في مكاننا !! إنه سر التقوى أن الله ظهر في الجسد ، لقد سمي عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا !!
عندما عاش يسوع على الأرض كان إنسانا يتصرف مثل الله ، و بنفس الدرجة كان إلها يتصرف مثل الإنسان !! كان يسوع هو الله الذي يتصرف بما يتفق مع صفاته في ارض الإنسان و من خلال إنسان !! إننا نعلم كيف يتصرف الله في السماء لأننا رأيناه يتصرف على الأرض !! و هذا ما قاله يسوع نفسه : " الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب " ( يو 14 : 9 ) .
                    
و الآن أيضا " الله معنا "
و إن كان الله قد عاش بيننا في ايام تجسد المسيح فإن هذا لم ينته بصعود الرب إلى السماء ، بل هو مازال يعيش معنا إلى اليوم من خلال حلوله في المؤمنين ، و حيثما يسكن في المؤمنين تجده يتصرف مع صفاته ، تماما كما فعل في ايام تجسده ، و هذه ليست أوهاما بل حقا يظهر كل يوم في حياة المؤمنين الحقيقيين .
        حقيقة أن الله بكل أقانيمه يسكن في طبيعة المؤمن الجديدة هي حقيقة مؤكدة وواضحة في الكتاب المقدس ، فقد قيل عن الآب و الابن " أجاب يسوع و قال له إن أحبني أحد يحفظ كلامي و يحبه أبي و غليه نأتي و عنده نصنع منزلا " ( يو 14 : 23 ) و عن أقنوم الروح القدس يقول : " روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه و لا يعرفه و أما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم و يكون فيكم " ( يو 14 : 17 ) .
كل ما هو الله في طبيعته نراه في المسيح يسوع ، هذا هو الإيمان الراسخ للكنيسة منذ أيام الرسل و حتى الآن ، في أيام بدعة آريوس قاد الله آباء الكنيسة لكي يجمعوا تعاليم العهد الجديد في هذا الموضوع و يلخصوها في قانون للإيمان يقبله جميع المؤمنين كحق نهائي ، و قالوا في هذا القانون " نؤمن و نعترف بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله هو إله و إنسان ، إله من نفس جوهر أبيه ، مولود منه قبل كل الدهور ، و إنسان من نفس جوهر أمه ، مولود منها في العالم ، إلها كاملا و إنسانا كاملا ، و كما أن نفس الإنسان و جسده هما إنسان واحد هكذا الله و الإنسان هما مسيح واحد " .
و المسيح في قلب المؤمن الآن سيعمل نفس ما عمله في الجليل و اليهودية ، سلطانه الآن هو نفس سلطانه آنذاك ، كان قدوسا ، بارا ، عطوفا ، وديعا و متواضعا ، و هو لم يتغير من وقتها و حتى الآن ، إنه ما زال نفسه حيثما وجد ، سواء كان عن يمين الله أو في قلب أصغر تلميذ حقيقي له على الأرض ، كان صدوقا ، محبا ، مصليا ، رقيقا ، عابدا ، باذلا لنفسه عندما كان يسير " بين الناس " ، أليس طبيعيا أن نتوقع منه نفس السلوك عندما يسير الآن " في الناس " !!
لماذا إذا يتصرف المؤمنون أحيانا بأسلوب مغاير لأسلوب المسيح ؟! البعض يقولون انه إذا فشل مؤمن في إظهار صفات المسيح الجميلة في حياته فهذا دليل على أنه مخادع و هو ليس مؤنا حقيقيا على الإطلاق ، لكن الأمور ليست بهذه البساطة ، فالحقيقة أنه بينما يسكن المسيح في طبيعة المؤمن الجديدة إلا أنه يلقى مقاومة من طبيعة المؤمن القديمة ، و الكتاب يعلمنا في ( رو 6 ـ 8 ) طريق الانتصار على هذه المقاومة ، لو منحنا يسوع سلطانا كاملا على حياتنا فسوف يحيا فينا تماما كما عاش قديما في اليهودية ، و يكون بالحق الله معنا !! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق