الاثنين، 19 ديسمبر 2011


           لكل واحد صليبه
( إن أراد أحد يأتى ورائى فلينكر نفسه و يحمل صليبه ويتبعنى ) (مت 16 : 41 )

      سيدة مؤمنة جادة أرسلت إلى رجل الله " هنري سوس " تسأله عن مشكلة في حياتها الروحية، فهي تفرض على نفسها أعمالا قاسية و تعيش في تقشف و تزمت ، كل هذا لأنها تحاول أن تشارك المسيح آلامه التي شعر بها و هو على الصليب !! و لكن الأمور لم تكن تسير معها على ما يرام و دائما كانت تشعر بالتقصير و أرادت أن تعرف رأي الخادم .
        فكتب القديس العجوز إلى ابنته في الروح قائلا : " تذكري يا أختي أن ربنا لم يقل : إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبي ، بل قال  و يحمل صليبه ، إنه اختلاف صغير في حرف واحد و لكنه يحمل اختلافا كبيرا في المعني " !!
                                  تشابه و اختلاف
        الصلبان كلها متشابهه في الجوهر لكن لا يوجد اثنان منهم متشابهان في التفاصيل ، الصلبان كلها أداة للموت لكن هذا الموت يختلف في تفاصيله من شخص إلى آخر ، لم يكن ـ و لن يكون ـ هناك صليب مماثل تماما للصليب الذي حمله المخلص ، الموت المفزع الرهيب الذي عاناه المسيح كان عملا متفردا في تفاصيله وسط اختبارات الجنس البشري كله ، و كان لابد أن يكون هكذا لكي يمنح الحياة لكل العالم ، إن حمل الخطية و الظلمة و غضب الآب كانت آلام خاصة بهذه الذبيحة المقدسة ، و محاولة طلب اختبارا مطابق لاختبار المسيح سيكون أكثر من مجرد خطأ ، سيكون إهانه للمقدسات .
        كل صليب هو أداة للموت و مع ذلك لا يستطيع أحد أن يموت على صليب شخص آخر ، كل إنسان يموت على صليبه الخاص ، لذلك قال يسوع : " يحمل صليبه و يتبعني " .
                                 قضائيا و عمليا
        من الناحية القضائية نقول إن صليب المسيح يشمل كل الصلبان ، و موت المسيح يتضمن كل الميتات ، هذا ما يقوله الكتاب بوضوح : " إذ نحن نحسب هذا أنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذا ماتوا " (2 كو 5 : 14 ) " مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في " ( غل 2:2 ) " صليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي و أنا للعالم " ( غل 6 : 14 ) .
        هذا بخصوص عمل الله القضائي في الفداء ، المؤمن بصفته عضوا في جسد المسيح قد صلب قضائيا مع رأسه السماوي ، أمام الله كل مؤمن حقيقي محسوب أنه قد مات عندما مات المسيح ، و كل اختبار روحي نختبره في حياتنا مؤسس على هذا الإتحاد في صليبه .
        لكن من الناحية العملية ـ وأثناء الممارسة اليومية لصلب الإنسان العتيق ـ يبرز دور صليب المؤمن الخاص : " يحمل صليبه " !! هذا ليس صليب المسيح بل هو صليب المؤمن الشخصي الذي بواسطته يصبح صليب المسيح فعالا في صلب الطبيعة العتيقة و تحرير المؤمن من سلطانها .
                              إن أراد أحد .....  !!
        صليب المؤمن الخاص هو ذلك الذي يحمله المؤمن بإرادته ، و هنا يكمن الفرق بين صليب المؤمن و صليب الرومان الذي كانوا يعلقون عليه ضحاياهم ، وقتها كان المحكوم عليهم يذهبون إلى الصليب رغم إرادتهم لكن المؤمن يذهب إلى الصليب بمحض إرادته  !! لا يوجد قائد روماني استطاع أن يشير إلى الصليب و يقوم : " إن أراد أحد فليتقدم إلى الصليب " !! لكن المسيح وحده ـ له المجد ـ هو من استطاع أن يقوم هذه الجملة الفريدة : " إن أراد أحد ... " !! و بقوله هذا وضع الأمر كله بين يدي المؤمن : يمكنه أن يرفض حمل الصليب و يبتعد عنه ، و يمكنه أن يخضع و ينحني و يحمل صليبه و يتقدم به صاعدا إلى الهضبة المحاطة بالظلام ، و الفرق بين الحياة الجسدية العقيمة و الحياة الروحية العظيمة هو تماما الفرق بين الاختيارين !!
                                     ... و يحمل صليبه
        إذا فالسير في أثر المسيح خطوه بخطوة في معاناة مطابقة لمعاناته على صليب الجلجثة هو أمر غير ممكن لأي منا ، و بالتأكيد أن الله لا يطلبه منا ، ما يطلبه الله هو أن كل واحد ينبغي أن يحسب نفسه ميتا بالفعل مع المسيح ثم يقبل باختياره ما قد يصادفه في مسيرة الطاعة اليومية من إنكار للنفس و توبة و تواضع و خضوع ... هذا هو " صليبه " الخاص ، و هو الصليب الوحيد الذي دعاه الرب ليحمله ، و تفاصيل هذا الصليب تختلف من مؤمن إلى آخر ، لا يوجد اثنان يتشابهان في التفاصيل التي يجيزها الرب فيها ، و إن كان الهدف الأخير من وراء كل الصلبان يبقى واحدا : صلب الإنسان العتيق عمليا .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق