لكل واحد صليبه
( إن أراد أحد يأتى ورائى فلينكر نفسه و يحمل صليبه ويتبعنى ) (مت 16 : 41 )
سيدة مؤمنة جادة أرسلت إلى رجل الله "
هنري سوس " تسأله عن مشكلة في حياتها الروحية، فهي تفرض على
نفسها أعمالا قاسية و تعيش في تقشف و تزمت ، كل هذا لأنها تحاول أن تشارك المسيح آلامه التي شعر بها و هو على الصليب !! و لكن الأمور لم تكن تسير
معها على ما يرام و دائما كانت تشعر بالتقصير و أرادت أن تعرف رأي الخادم .
فكتب
القديس العجوز إلى ابنته في الروح قائلا : " تذكري يا أختي أن ربنا لم يقل :
إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبي ، بل قال و يحمل صليبه ، إنه اختلاف صغير في حرف
واحد و لكنه يحمل اختلافا كبيرا في المعني " !!
تشابه و اختلاف
الصلبان
كلها متشابهه في الجوهر لكن لا يوجد اثنان منهم متشابهان في التفاصيل ، الصلبان
كلها أداة للموت لكن هذا الموت يختلف في تفاصيله من شخص إلى آخر ، لم يكن ـ و لن
يكون ـ هناك صليب مماثل تماما للصليب الذي حمله المخلص ، الموت المفزع الرهيب الذي
عاناه المسيح كان عملا متفردا في تفاصيله وسط اختبارات الجنس البشري كله ، و كان
لابد أن يكون هكذا لكي يمنح الحياة لكل العالم ، إن حمل الخطية و الظلمة و غضب
الآب كانت آلام خاصة بهذه الذبيحة المقدسة ، و محاولة طلب اختبارا مطابق لاختبار
المسيح سيكون أكثر من مجرد خطأ ، سيكون إهانه للمقدسات .
كل صليب هو أداة للموت و مع ذلك لا يستطيع
أحد أن يموت على صليب شخص آخر ، كل إنسان يموت على صليبه الخاص ، لذلك قال يسوع :
" يحمل صليبه و يتبعني " .
قضائيا و عمليا
من
الناحية القضائية نقول إن صليب المسيح يشمل كل الصلبان ، و موت المسيح يتضمن كل الميتات
، هذا ما يقوله الكتاب بوضوح : " إذ نحن نحسب هذا أنه إن كان واحد قد مات
لأجل الجميع فالجميع إذا ماتوا " (2 كو 5 : 14 ) " مع المسيح صلبت فأحيا
لا أنا بل المسيح يحيا في " ( غل 2:2 ) " صليب ربنا يسوع المسيح الذي به
قد صلب العالم لي و أنا للعالم " ( غل 6 : 14 ) .
هذا بخصوص
عمل الله القضائي في الفداء ، المؤمن بصفته عضوا في جسد المسيح قد صلب قضائيا مع
رأسه السماوي ، أمام الله كل مؤمن حقيقي محسوب أنه قد مات عندما مات المسيح ، و كل
اختبار روحي نختبره في حياتنا مؤسس على هذا الإتحاد في صليبه .
لكن من
الناحية العملية ـ وأثناء الممارسة اليومية لصلب الإنسان العتيق ـ يبرز دور صليب
المؤمن الخاص : " يحمل صليبه " !! هذا ليس صليب المسيح بل هو صليب
المؤمن الشخصي الذي بواسطته يصبح صليب المسيح فعالا في صلب الطبيعة العتيقة و
تحرير المؤمن من سلطانها .
إن أراد أحد ..... !!
صليب
المؤمن الخاص هو ذلك الذي يحمله المؤمن بإرادته ، و هنا يكمن الفرق بين صليب
المؤمن و صليب الرومان الذي كانوا يعلقون عليه ضحاياهم ، وقتها كان المحكوم عليهم
يذهبون إلى الصليب رغم إرادتهم لكن المؤمن يذهب إلى الصليب بمحض إرادته !! لا يوجد قائد روماني استطاع أن يشير إلى
الصليب و يقوم : " إن أراد أحد فليتقدم إلى الصليب " !! لكن المسيح وحده
ـ له المجد ـ هو من استطاع أن يقوم هذه الجملة الفريدة : " إن أراد أحد ... "
!! و بقوله هذا وضع الأمر كله بين يدي المؤمن : يمكنه أن يرفض حمل الصليب و يبتعد
عنه ، و يمكنه أن يخضع و ينحني و يحمل صليبه و يتقدم به صاعدا إلى الهضبة المحاطة
بالظلام ، و الفرق بين الحياة الجسدية العقيمة و الحياة الروحية العظيمة هو تماما
الفرق بين الاختيارين !!
... و يحمل
صليبه
إذا
فالسير في أثر المسيح خطوه بخطوة في معاناة مطابقة لمعاناته على صليب الجلجثة هو
أمر غير ممكن لأي منا ، و بالتأكيد أن الله لا يطلبه منا ، ما يطلبه الله هو أن كل
واحد ينبغي أن يحسب نفسه ميتا بالفعل مع المسيح ثم يقبل باختياره ما قد يصادفه في
مسيرة الطاعة اليومية من إنكار للنفس و توبة و تواضع و خضوع ... هذا هو "
صليبه " الخاص ، و هو الصليب الوحيد الذي دعاه الرب ليحمله ، و تفاصيل هذا
الصليب تختلف من مؤمن إلى آخر ، لا يوجد اثنان يتشابهان في التفاصيل التي يجيزها
الرب فيها ، و إن كان الهدف الأخير من وراء كل الصلبان يبقى واحدا : صلب الإنسان
العتيق عمليا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق