علامة تُقاوم
«هذا قد وُضع ..لعلامة تُقاوم» (لو2: 34)
«الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه» (عب12: 3)
«تعييرات معيريك وقعت عليَّ» (مز69: 9)
نعلم تماماً أن كل إنسان يشتهي أن يكون علامة للنجاح و
رمزاً للتفوق وهدفاً للمدح، ونفهم جيداً كيف يسعى الإنسان جاهداً لاحتلال هذه
المكانة وتبوُّء تلك الذروة، لكن الغريب والمحيِّر هو أن يُولد إنسان ليكون علامة
للمقاومة ورمزاً للرفض وهدفاً للعداء!! لقد تنبأ سمعان الشيخ وهو يحمل الطفل يسوع
على يديه أنه –له المجد-وُضع ليكون علامة تُقاوم، وإذا سألنا: لماذا؟! تأتينا
الإجابة: « لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة»!!
قلوب البشر جميعاً مملوءة بالمقاومة لطرق الله
المستقيمة، أفكارهم مملوءة بالتجديف والتعيير والشكوى ضد صلاح الله، قد لا يُظهرون
هذه المقاومة علناً وجهراًً ولكنهم يمارسونها كل يوم في الخفاء، قد لا ينطقون
بالتجديف تأدباً وخشية لكن سم الأصلال كامن تحت شفاههم، قد يجيدون التخفِّي
ويتقنون الخداع ويبرعون في تبييض القبور وتزيين الكؤوس المملوءة اختطافاً ودعارة،
ولكن عيني الله الفاحصة ترى أن الجميع زاغوا وفسدوا معاً، ليس من يفهم، ليس من
يطلب الله، وليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد!!
وكان لابد أن تُستعلن أفكار الناس الخفية رغم بشاعتها
وتظهر خفايا القلوب رغم قسوتها، وذلك
لسببين: أولاً لكي تكون للإنسان فرصة لمعرفة نفسه على حقيقتها الأمر
الذي قد يدفعه للتوبة، فخداع النفس قد يصل إلى أن تخدع صاحبها وتوهمه أنه صالح
طالما أتقن إخفاء الشر ولم يظهره للعيان، وثانياُ لكي تكون لله فرصة
أن يدين شر الإنسان إذا لم يتب عنه، فالله قد يبدو ظالماً إذا أدان شراً كامناً
غير ظاهر!!
وكان لابد من أداة لإظهار شر الإنسان الكامن وفضح نجاسته
المستترة، كان لابد من إناء بشري يقبل أن تخرج عليه كل شرور الإنسان ونجاساته، إنسان
يحتمل كل شر الإنسان بدون أن ينهزم من هذا الشر، ويحتمل كل نجاسة الإنسان دون أن
يتنجس بها، إنسان يكون علامة تُصوَّب تجاهها كل مقاومة الإنسان لله، ورمزاً يتجمع نحوه
كل رفض الإنسان لله، وهدفاً تقع عليه كل تجاديف وتعييرات معيِّري الله!!
ومَن يقبل هذه المهمة الثقيلة لكي يصفُّ خطايا الإنسان
أمام عينيه؟ ومَن يستطيع أن يقوم بها دون أن يتنجس بشرور البشر؟ لم يُوجد مَن يقوم
بهذه المهمة إلا سيدي له المجد، لقد وُلد في ملء الزمان ووُضع بين الناس لكي تخرج
تجاهه كل مقاومة موجودة في قلوب البشر تجاه الله، لم يشتهِ أن يكون علامة للمجد أو
هدفاً للمدح بل قَبِل لنفسه مقاومة مثل هذه ولسان حاله «تعييرات معيِّريك وقعت
عليَّ»!! ما أعجب العمل الذي أتيت لتعمله يا طفل بيت لحم و ما أثقل المهمة التي
كُلفت بها، لك كل المجد!!
فخرى كرم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق