الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011



السعي نحو الله
 ( 1 )
بقلم/ ا. و. توزر
ترجمة الأخ : فخرى كرم
«التصقت نفسي بك، يمينك تعضدني» (مز63: 8)
كلمة «التصقت» في الآية السابقة تعني في أصلها المحبة الشديدة والاشتياق الملتهب والسعي باجتهاد نحو شخص الحبيب، فالحياة الروحية الحقيقية في جوهرها ليست سوى محبة قلبية لله تجعلنا نشتاق دائماً للالتصاق بشخصه الكريم، محبة شديدة تجعل كل أيامنا سعياً مستمراً للاقتراب والمكوث في محضره.
الكتاب المقدس يعلمنا أن نعمة الله هي دائماً المبادرة في هذه العلاقة الحميمة بين الله والإنسان، بمعنى أن الإنسان قبل أن يلتصق بالله بهذا الشكل لابد أن يكون الله في نعمته قد سبق واجتذب هذا الإنسان إليه، قبل أن يستطيع الإنسان الخاطئ أن يفكر أول فكر صحيح تجاه الله لابد أن تكون ثمة استنارة إلهية قد سبقت وأشرقت بداخله، قد تكون استنارة جزئية وغير كاملة لكنها رغم ذلك تظل عملاً حقيقياً للنعمة، وهي السر الخفي الكامن وراء كل رغبة روحية حقيقية وسعي روحي حثيث قد يأتي بعد ذلك.
نحن نشتاق لله ونسعى نحوه لأنه هو –وهو فقط- وضع بداخلنا دافعاً أن نسعى نحوه، قال الرب يسوع «لا يقدر أحد أن يُقبل إليَّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني» (يو6: 44) وبسبب هذا «الاجتذاب» المُسبق ظهرت في داخلنا الرغبة للإتيان إلى المسيح، إذاً المحبة والاشتياق لله بداخلنا يبدأ أولاً بجاذبية من الله، هذه الجاذبية هي مسئولية الله أما التجاوب مع هذه الجاذبية بالمحبة والسعي الدءوب نحو الله فهو مسئوليتنا الشخصية، ولكن حتى في أثناء هذا السعي تكون «يمينه تعضدنا»!!
 لا يوجد أي تناقض بين التعضيد الإلهي وبين السعي الإنساني، الله دائماً مبادر والإنسان ينبغي أن يتجاوب مع هذه المبادرة، وأثناء تجاوبنا تظل يمين الرب تساعدنا وتحفظنا وتعضدنا، إن كل سعينا في الحياة الروحية هو بين يديه الكريمتين!! من جانبنا ينبغي أن يكون هناك التصاق بالرب كنتيجة لاجتذابنا نحوه، فنحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً، ولقد عبَّر المرنم عن هذه المشاعر الملتهبة تجاه الله في كلمات المزمور «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله، عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي، متى أجئ وأتراءى قدام لله؟» (مز42: 1، 2) كل قلب عملت فيه النعمة يعرف جيداً ويفهم تماماً هذه المشاعر!!
مأساة المسيحية المعاصرة
المشكلة أننا لو بحثنا عن هذه النوعية من المحبة لله والاشتياق لشخصه والسعي نحوه في مسيحيتنا المعاصرة فلن نجدها إلا فيما ندر، لقد تحولت مسيحيتنا بالتدريج إلى مسيحية العقائد الجوفاء والتعاليم الباردة الخالية من الحياة النابضة والمشاعر الملتهبة، مسيحية مؤسسة على عقائد قد تكون صحيحة لكنها تفتقر إلى جوهر المسيحية الحقيقي ألا وهو المحبة القلبية الشديدة لله، المحبة التي تجمع كل قوى الإنسان وتدفعها في سعي دائم نحو شخصه.
عقيدة التبرير بالإيمان وليس بالأعمال هي عقيدة كتابية صحيحة ولكنها عندما تُستخدم بشكل عقلي مجرَّد تصبح حائلاً يعطل أي سعي واجتهاد في حياتنا الروحية!! واختبار الخلاص والتجديد أصبح يتم بطريقة ذهنية ميكانيكية خالية من أي روح!! الإيمان أصبح الآن يُمارس بدون أي توبة أو رفض لشهواتنا وأصنامنا السابقة أو إماتة لذاتنا الإنسانية!! الإنسان أصبح يقبل المسيح الآن بدون أن تُخلق أية محبة حقيقية في قلبه لهذا المسيح!! قد يختبر الإنسان «الخلاص» لكنه لا يختبر «الجوع والعطش» لله، والمأساة الحقيقية أن المعلمين في الكنائس يعلموه أن يرضى بهذا ويكتفي بالقليل الذي حصل عليه من الاختبار الروحي!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق