السجود ( 10 )
السجود وقبول الخسارة
والتجرُّد
بقلم: واتشمان ني
ترجمة الأخ : فخرى كرم
ترجمة الأخ : فخرى كرم
«فقام أيوب ومزَّق جبته وجزَّ شعر رأسه وخرَّ على الأرض
وسجد» (أي1: 20)
نصل اليوم إلى
ذروة حالات السجود التي ندرسها من كلمة الله، وهي تُرينا السجود لله كدليل على قبول
الخسارة التي يسمح بها لنا والتي قد تصل إلى التجرُّد من كل شيء!! رأينا في المرة
السابقة أن داود سجد لله كدليل على قبوله موت ابنه لأنه أدرك أن تأديب الرب على
خطيته مع بثشبع يستلزم موت الابن، فإدراك أن الخسارة هي بسبب تأديب على خطية يخفف
بعض الشيء من وقع الخسارة على أنفسنا، لكن أحياناً يسمح الرب لنا بخسارة لا تكون
بسبب خطية أو تأديب، خسارة رغم مسيرنا أمامه باستقامة وكمال قلب، خسارة بسبب
حسابات تتم في السماويات لا ندري عنها شيئاً، في هذه الحالة يكون قبول الخسارة
صعباً والسجود أيضاً صعباً، لكن هذا ما فعله أيوب!!
كان أيوب رجلاً
كاملاً ومستقيماً يتقي الله ويحيد عن الشر، وكان يمتلك الكثير من الأبناء والخدم
والمواشي، وذات يوم أتى رسولاً يخبره أن السبئيون أخذوا البقر والأتن، ثم جاء آخر
يقول أن ناراً نزلت من السماء وأكلت الغنم والغلمان، ثم آخر يقول أن الكلدانيون
هجموا على الجمال وأخذوها، وأخيراً آتى أحدهم بالخبر المروِّع وهو أن الريح هدمت
المنزل الذي كان يجتمع فيه أبناؤه فماتوا جميعاً، في يوم واحد خسر أيوب كل شيء بل
قل إنه تجرَّد من كل ما يملك، فماذا كان رد فعله؟ يقول الكتاب أن أيوب قام ومزق
جبته وجز شعره وسجد لله إلى الأرض!!
لم تكن هذه الخسائر تأديب من الله لأيوب على
خطية ما بل كانت مشيئة إلهية تفوق إدراك أيوب وفهمه، والله غير مُطالب بأن يشرح
لنا دائماً الأسباب الكامنة وراء أعماله في حياتنا، هو يسمح أحياناً بأشياء تبدو
في نظرنا غير مبرَّرة وغير مفهومة، وقد ننظر حولنا في حيرة فنجد الأمور تسير في
حياة الآخرين على ما يرام بينما تسير في حياتنا من سيء إلى أسوأ، وقد نتساءل لماذا
يأمر الله بالبركة في حياة الآخرين بينما لا يوجد في حياتنا سوى الخسارة والتجرد؟!
هل نستطيع في هذه الأوقات أن نقدم لله سجوداً؟!!
حسابات الله لا
تخطئ أبداً حتى لو لم نفهمها ومقاصده صالحة دائماً حتى لو لم ندركها، ونحن لا
نستطيع أن نعرف الهدف وراء كل معاملات الله معنا لكننا في النهاية سندرك أنها
جميعاً بحكمة صُنعت، لو كان عندنا هذا الإيمان سنستطيع أن نقدم سجوداً لله في
أوقات الخسارة والتجرد.
أيوب يعلمنا أن
الساجد الحقيقي لله لا يتذمر ولا يشتكي على معاملات الله معه مهما كانت غير
مفهومة، الساجد الحقيقي لا يقارن نفسه بالآخرين ويقول «لماذا يفتح الله الأبواب
أمام الأخ فلان ويغلقها أمامي؟» أو «لماذا يعطي لهذه الأخت أشياء كثيرة بينما أنا
أخسر دائماً؟» الساجد الحقيقي ينحني أمام معاملات الله ولسان حاله هو «أحمدك يا
إلهي لأنك صالح وإلى الأبد رحمتك، أنا أقبل معاملاتك معي وأؤمن أنها صالحة ومملوءة
خيراً، أنت لست بحاجة لأن تشرح لي أهدافك وما يدور في السماويات لأني أقبل مشيئتك
حتى لو لم أفهمها، أنا أشكرك لأجل ما تقدمه لإخوتي من خير وما تسمح به في حياتي من
ألم، أنا أؤمن أنك صالح للجميع ومراحمك على الكل حتى لو اختلفت مقاصدك من واحد لآخر»!!
ليت الله يصنع منا ساجدين حقيقيين لشخصه، وله كل المجد (تمت)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق