حيث يكون سيدي
" إن كان أحد يخدمني فليتبعني ، و حيث أكون أنا هناك
أيضا يكون خادمي "
( يو 12 : 26 )
ليتني أكون خادمك الذي يتبعك
حيثما تمضي حتى عندما تمضي.. إلى الصليب !!
|
كان يسوع هو خادم يهوه الحقيقي ، كان ينظر ما يعمله الآب
و يتقدم و يعمله ، لم يكن يعمل ما يريد بل ما يريده الآب ، كان دائما في المكان
الذي يريده الآب أن يكون فيه ، لم يختر وضعا لنفسه بل ترك يد الآب تختار له وضعه ،
منذ أن هيأت له في الميلاد جسدا و حتى قدمت له الموت كأسا !! لذلك كانت دائما مسرة
الآب بيده تنجح ، حتى عندما كانت مسرة الآب هي أن يسحقه بالحزن !!
و التلميذ
الحقيقي ليسوع هو من يتعلم ليصبح مثل معلمه ، خادما حقيقيا لله ، و الخادم الحقيقي
هو من يوجد حيث يكون سيده ، و " حيث " هنا لا تعني نفس المكان جغرافيا
بل نفس الوضع روحيا ، فإذا كان السيد في موضع العمل فينبغي أن نجد الخادم هناك
عاملا في توافق كامل مع سيده ، و إذا كان السيد في موضع التألم فهناك ينبغي أن نجد
الخادم يكمل في جسده نقائص شدائد سيده ، و إذا كان السيد في موضع الصبر و الانتظار
و طول الأناة فهناك أيضا لابد أن نجد الخادم منتظرا بصبر و سكوت ، و عندما يحين
وقت ويستعلن السيد في المجد فهناك سيظهر خادمه معه أيضا في المجد .
لكن الأمر
ليس سهلا ، فلكي نكون حيث يكون سيدنا ينبغي أن يكون هناك توافق تام بين فكرنا و
فكره ، و دوافعنا و دوافعه ، و هذا الأمر يحتاج إلى تدريب عميق للنفس حتى تتعلم أن
تخضع أولا بأول لمشيئة الله و تختار في كل موقف أن تأخذ موقف الله منه ، و تبحث
دائما عن الموضع الذي يقف فيه السيد لكي تقف بجواره ، إن أي ابتعاد بين موقفنا
و موقفه داخليا سيجعل ابتعادنا عنه عمليا أمرا حتميا !!
هل تظن أن
ابتعاد التلاميذ عن الرب و هروبهم كان وليد اللحظة في تلك الليلة الأخيرة ؟ كلا إن
الابتعاد حدث منذ بدأ الرب يخطو أولى خطواته نحو الصليب ، كان قد وطد العزم أن يضع
نفسه حتى الموت موت الصليب ، و عندما أعلن هذا للتلاميذ نقرأ هذا القول : "
فأخذه بطرس إليه و ابتدأ ينتهره قائلا حشاك يا رب ، لا يكون لك هذا " ( مت 16
: 22 ) هل لاحظت هذا التعبير " أخذه إليه " ؟ لم يرد بطرس أن يذهب حيث
يقف الرب بل أراد أن يأخذ الرب إلى حيث يقف هو !! بينما المحبة الحقيقية و الخدمة
الحقيقية هي أن نذهب إلى الرب حيث يكون لا أن نجعله يأتي حيث نحب نحن أن نكون !!
في هذا
الموقف بدا جليا أن موقف بطرس بعيد تماما عن موقف الرب ، فبينما يقف الرب موقف
الطاعة للآب يقف بطرس موقف محبة الذات و الخوف عليها ، و عندما لم يستطع أن يذهب
إلى الرب في أرض الطاعة و إنكار الذات أراد أن يأتي بالرب إلى أرض الأنانية و محبة
الذات !! من هنا بدأ الإنكار ، من هنا بدأ الهرب ، و لم يكن الهروب و الإنكار الذي
حدث بعدئذ إلا تحصيل حاصل ، فالاختلاف في الموقف الداخلي جعل إنكار الرب عمليا
أمرا حتميا .
و هذا ما
حدث فعلا ، فبينما كان الرب حزينا إلى الموت و هو يعبر وادي قدرون وجدنا التلاميذ
في " واد " آخر تماما ، يتجادلون في من فيهم الأعظم !! و عندما أرادهم
أن يسهروا معه ساعة واحدة نراهم يتركونه و ينامون !! لم يكن مطلوبا منهم أن
يشاركوه عمل الفداء ، فقد كان وحده ـ له المجد ـ المنوط به إتمام هذا العمل ، لكن
نفسه الإنسانية كانت تحتاج إلى محبتهم في وقت أبغضه الجميع ، و تحتاج إلى وفائهم
عندما أنكره الجميع ، و تحتاج لشهادة حق منهم عندما تحاصره شهادات الزور ، كانت
نفس الرب حزينة و تحتاج لمحبتهم و تعضيدهم لكنه لم يجد !! لأنهم في الواقع كانوا
بعيد عنه كل البعد ، لك يكن خدامه موجودين في المكان الذي يوجد هو فيه !! و كان هو
يعلم هذا و يتألم منه ، و عندما انفصل عنهم نحو رمية حجر كان يعلن أنه يدخل إلى
تلك الأرض بمفرده ، ارض الفداء و الصليب ، و أن خدامه تركوه يمضي وحده و فضلوا أن
يبقوا في أرض النعاس !! و عندما تخلى خدامه عن دورهم في تشجيعه و تعضيده ظهر له ملاك
ليقويه ، و لكنه بلا شك كان يفضل أن يأتيه التشجيع من تلاميذه الذين أحبهم أكثر من
نفسه !! و عندما تيقن أنهم لن يستطيعوا أن يتبعوه أكثر من هذا نراه يطلب من العسكر
أن يتركوهم يذهبون ، فهو لن يطلب منا ما لا نستطيعه و لن يحملنا مالا نطيقه !!
آه يا
نفسي ، ليتك تلتصقين بسيدي في كل موقف و تتبعينه في كل موضع حتى في مواضع الألم و
الرفض ، ليتك لا تكونين إلا حيث يكون سيدي !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق