الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011


المسيحي العجيب
        المجهود الدائب الذي يبذله الكثيرون من القادة الدينيين لكي يوفقوا بين المسيحية و الفلسفة البشرية الخاضعة للمنطق الطبيعي إنما هو مجهود ضائع ، لأن المسيحية تسمو فوق الفكر البشري و تحوي في داخلها خصائص تبدو للذهن البشري متناقضة و لا تخضع للمنطق الطبيعي ، إن قوة المسيحية تكمن في تناقضها ـ وليس توافقها ـ مع طرق الإنسان الساقط !!
        في قلب المسيحية يوجد صليب المسيح بتناقضه الإلهي ، إن مجد الصليب يظهر في جمعه للمتناقضات التي لا يستطيع الذهن البشري أن يجمعها معا ، و شهادة الكنيسة تكون أكثر تأثيرا عندما " تعلن " الحق الإلهي كما هو و ليس عندما تحاول أن " تشرح " هذا الحق للذهن البشري الضيق ، و ذلك لأن الإنجيل هو " إعلان " مقدم لكي نقبله بالإيمان و ليــس " تعليما " خاضعا للشرح و التفسير ، لأن كل ما هو قابل للشرح و التفسير لا يحتاج للإيمان لكي نقبله ، إن الإيمان يستريح على إعلان الله و ليس على براهين الفلسفة و المنطق .
        الصليب يقف ضد الإنسان الطبيعي ، فلسفة تسير بعكس الذهن البشري ، لذلك قال بولس إن الكرازة بالصليب للهالكين جهالة ، و محاولة إيجاد أرض مشتركة بين رسالة الصليب و ذهن الإنسان الطبيعي هي محاولة إيجاد المستحيل ، و إذا أخضعنا المسيحية و الصليب للذهن الساقط فستكون النتيجة صليبا بلا معنى و مسيحية بلا قوة .
        لكن دعونا ننزل بالأمر من مستوى الكلام النظري إلى مستوى السلوك العملي ، و دعونا نراقب مسيحيا بسيطا و هو يمارس تعاليم المسيح و تلاميذه ، و لنلاحظ المتناقضات التي يحتويها هذا المسيحي العجيب في حياته :
        المسيحي يؤمن تماما بأنه قد مات مع المسيح ، و مع ذلك فهو يحيا الآن حياة أفضل من ذي قبل ، بل يؤمن أن حياته أبدية لا يعتريها الموت . !!
        المسيحي يمشي على الأرض بينما هو ـ في نفس الوقت ـ جالس في السماويات !! و رغم أنه مولود على الأرض لكنه بعد التجديد يشعر بأنه لا بيت له هنا ، إنه مثل الطيور التي تبدو في طيرانها آية في الجمال و الرشاقة بينما تبدو و هي على الأرض ثقيلة الحركة عديمة الرشاقة ، المسيحي أيضا يبدو في أجمل حالاته عندما يحلق في السماويات ، لكنك تجده ثقيل الحركة في سيره في دروب هذه الأرض المقفرة .
        المسيحي يعلم أنه إذا أراد أن يعيش منتصرا كابن للسماء في وسط الناس على هذه الأرض فينبغي ألا يتبع أسلوب الإنسان الطبيعي بل أسلوبا مضادا تماما ، ينبغي عليه إذا أراد أن يخلص نفسه أن يهلكها ، و ينبغي أن يفقد حياته لكي يجدها !! و هو يفقد حياته عندما يحاول أن يحتفظ بها لنفسه !! إنه يتضع لكي يرتفع ، و لو رفض أن يتضع يصير وضيعا بالفعل ، أما عندما يبدأ في الاتضاع فإنه يجد نفسه في طريقه للارتفاع .
        المسيحي يكون في أقوى حالاته عندما يكون أضعف ما يمكن !! و يكون في أضعف حالاته عندما يشعر بأنه قوي !! و رغم أنه فقير إلا أنه يملك السلطان أن يغني كثيرين ، و لكنه إذا شعر بالغنى تتلاشى قدرته على إغناء الآخرين !! إنه يمتلك الكثير حينما يعطي الكثير ، و يمتلك القليل إذا حاول أن يحتفظ لنفسه بالكثير !!
        المسيحي يكون دائما في أسمى حالاته عندما يشعر أنه في أقلها ، و يكون في أطهر حالاته عندما يزداد إحساسه بخطيته ، و هو يكون حكيما عندما يشعر بأنه لا يعرف شيئا ، و يتقدم كثيرا لأنه وقف في مكانه !! في وسط الضغوط يفرح و يحفظ قلبه سعيدا حتى في شدة الآلام .
        إن مظاهر التناقض تظهر كثيرا في حياة المسيحي البسيط فهو يؤمن بأنه مخلص الآن ، إلا أنه يتوقع في كل يوم خلاص الرب و يتطلع بفرح للخلاص الأبدي ، المسيحي يخاف الله و لكنه لا يخاف منه !! في محضر الله يشعر بالانسحاق و الانسكاب و مع ذلك فهو يحب أن يبقى في محضر الله أكثر من الوجود في أي مكان آخر في العالم !! إنه يعلم أنه قد غسل من خطاياه و مع ذلك فهو يؤمن بأنه لا يسكن في جسده شئ صالح .
        المسيحي يحب بشدة شخصا لم يره قط !! و رغم أنه في حد ذاته فقير و وضيع إلا أنه يتعامل بدالة و ألفة مع ملك الملوك و رب الأرباب !! و الغريب أنه لا يشعر بأن تناقض في هذا لأنه يؤمن بأنه في ذاته أقل من لا شئ ، إلا أنه في نظر الله شئ ثمين حتى إن الابن الأزلي صار جسدا و مات على صليب العار من أجله !!
        المسيحي هو مواطن سماوي و هو يعطي لهذه المواطنة أولوية الولاء و الطاعة ، إلا أنه في نفس الوقت يحب وطنه الأرضي الذي ولد و تربى فيه حبا شديدا دفع " جون نوكس " أن يصلي قائلا " يا رب أعطني اسكتلندا و إلا أموت " !!
        المسيحي حامل الصليب يجمع في أحشائه التشاؤم و التفاؤل في نفس الوقت ، فهو عندما ينظر إلى الصليب يصبح متشائما لأنه يعلم أن الدينونة التي وقعت على رب المجد في الصليب قد دانت في نفس الوقت كل طبيعة الإنسان و أعماله ، لذلك فهو يرفض كل عمل صادر من الإنسان لأنه يعلم أن أسمى مجهودات الإنسان ليست سوى تراب مؤسس على تراب !! و لكنه في نفس الوقت متفائل لأنه يعلم أنه إذا كان الصليب قد دان الشر فإن القيامة أعلنت انتصار الله النهائي للخير في كل الخليقة ، و أنه من خلال المسيح سيصبح كل شئ صالحا في النهاية ، و هو ينتظر هذه النهاية السعيدة بكل ثقة و تفاؤل حقا إن المسيحي كائن عجيب !! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق